شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / كلمات المناسبات الإسلامية: الوفيات
(6/د): {الله أعلم حيث يجعل رسالته}
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر (قدس سره) : مشروع (مداد العلماء) | 2016-04-11| Hits [4010]


 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم، في محكم كتابه الحكيم، بسم الله الرحمن الرحيم {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24.

 

وقال الله تعالى {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} الأنعام: 124.

 

وقال تعالى {وما كان وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} الأحزاب: 36، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

عظم الله أجوركم بهذا المصاب: بوفاة الإمام الهادي، هادي البشرية سلام الله عليه؛ حري بنا في مثل تلك المناسبات أن نتوقف جميعاً لكي نتوقف قليلاً ونتأمل أصول العقيدة التي نسير وفق هداها.

 

التوحيد هو أصل العقيدة، والإمامة هو التجسيد الفعلي للتوحيد؛ ولذلك عادة ما تقرن الإمامة بالتوحيد، تقرن طاعة الرسول بطاعة الله، وطاعة أولي الأمر بطاعة الرسول وبطاعة الله؛ وأن الإمامة هي جعل إلهي، وأن الرسالة هي جعلاً إلهي، لا يحق للبشر ولا يمكن للبشر أن يختار رُسله، ولا أئمته؛ البشرية جمعاء عاجزة عن اختيار القائد المناسب لقيادتها.

 

لو يوكل الأمر للبشرية لاختيار قيادتها لما تعدت اختيار أصحاب الأموال، لأن هذه النظرة البشرية؛ وكما يقول الإمام الهادي سلام الله عليه «الناس في الدنيا بالأموال» النظرة نظرة مادية، فالبشرية لن تختار قائداً وزعيماً يحمل قيم السماء؛ وإنما تختار رجل ذا مال، ذات جاه ومال.

 

ولذلك نلاحظ في قسم وبعض من آيات القرآن اعتراض الملأ أو اعتراض القوم والأقوام على اختيار رسول من الرسل، أو إمام من الأئمة: أن هذا الرسول وأن هذا الإمام {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} البقرة: 247.

 

حينما جعل الله سبحانه وتعالى طالوت ملكاً اعترض أولئك المؤمنون، أيضاً كانوا مؤمنين ويريدون القتال دفاعاً: عن عقائدهم، عن مبادئهم، عن قيمهم؛ لكنهم لم يحيدوا في اختيارهم عن صاحب المال {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} البقرة: 247، كيف يُختار طالوت ملكاً علينا وهو لم يؤتى بسعة من المال؟

 

وكذلك حينما بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اعترض المشركون وأهل قريش على أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو رسول السماء، ولذلك قالوا {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القرآن عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} الزخرف: 31، رجل عظيم من هاتين القريتين، ما هو معيار ومقياس العظمة؟

 

كان المال، أصحاب المال في مكة أو صاحب المال في الطائف هو أولى أن يكون رسولَ رب العالمين في نظرهم القاصر، لأنه كما يقول الإمام الهادي سلام الله عليه: «الناس في الدنيا بالأموال» هذه نظرة الناس، فما دامت هي نظرة الناس وذاك منطلقهم لا يمكن أن يوكل أمر الإمامة لاختيار البشر، نظرة قاصرة لا يمكن أن يتكأ عليها.

 

لذلك كانت الإمامة جعل إلهي {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} الأنعام: 124، يجعل فلاناً من الناس رسولاً، وفلاناً نبياً، وفلانا إماماً {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الزخرف: 32، حتى الجانب المعيشي، الله سبحانه وتعالى يقسمه بينهم، فكيف بعماد الحياة وهي الإمامة، هل تُوكل لهم؟

 

لا يمكن {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف: 32، رحمة ربك: القيم، المبادئ، الرسالة؛ خير من تلك الأموال التي يجمعونها.

 

فالإمامة منصب إلهي يختص جعله بالله سبحانه وتعالى، وليس للبشر خيار في أن ينصبون إماماً أو رسولاً أو نبياً، فإذا قضى الله أو قضى الرسول بحكم شرعي فضلاً عمن يشرع لهم لا يحق للبشر أن يعترضوا على الجعل الإلهي {وما كان وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب: 36، لو كان هناك تشريع في مسألة شرعية بسيطة: في الفقه، في العبادات، في المعاملات، في الحكم، في القضايا الاجتماعية، في القضايا العبادية، في أي قضية كانت؛ لو شرع الله تشريعاً لو شرع الرسول تشريعاً، لا يحق لتلك الأمة إن كانوا مؤمنين أن يعترضوا.

 

لا يجوز لهم الاعتراض، فكيف بمن يكون سنام التشريع، إذا كان تشريع حكم شرعي هو موصول إلى الله وإلى الرسول، فكيف بمن يكون محور التشريع، مرجع الأمة في التشريع، ملاذ الأمة في الأحكام؛ لا يمكن أن يوكل هذا الأمر إلى البشر.

 

الإمامة أكبر وأعظم وأجل مِنْ أن يلقى عاتقها على البشر، إذا كان حكماً شرعياً لا يمكن أن تتمكن البشرية من تشريعه، فهل تتمكن مِنْ اختيار مَنْ يتحمل مسؤولية التشريع؛ فكر بعقلك!

 

مَنْ يتحمل مسؤولية التشريع القادر على تشريع الحكم الشرعي، هل تتمكن البشرية من اختياره، والبشرية جمعاء عاجزة عن تشريع حكم شرعي!

 

لا يمكن للبشرية أن تحيد، ولا يمكن لها أن تختار قائدها؛ فتخطئ وستضل، وستحكم أهوائها وشهواتها في اختيارها؛ بسبب نظرتها المادية لأن للإمامة شروط، الإمام هو الذي يتصف بمجموعة من الشروط يُعرفها الله ويُعلمها الله {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24:

 

1- أصل الشروط هو الجعل الإلهي، ليس للبشر أن يختاروا إماماً؛ الإمام يُنصب مِنْ قبل الله، وعلى المؤمنين أن يقبلوا تلك القيادة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ} الله سبحانه وتعالى يفضل، يوجد هناك تفضيل واختيار، لماذا اختار الله سبحانه وتعالى أولئك الأئمة؟

 

2- {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} بأمر الله يأتمرون ويأمرون، بهدى الله يهدون، لا ينطقون عن الهوى، لا يتحدثون بما لم ينزل به الله سلطاناً {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} لا يشرعون بتشريعات إلا من الله، ولا يتحركون خطوة إلا بأمر الله، ولا يعملون إلا ما يرضى الله {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} مَنْ يهدي بأمر الله ولا يهدي بأمر الله إلا من كان يعرف الهدى؛ الجاهل بهدى الله، الجاهل بالتشريع، الجاهل بالقرآن لا يمكن أن يكون إماماً؛ فضلاً عن الظالم لنفسه {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة: 124.

 

مَنْ لا يعرف أن الرسول مات أو لم يمت، يجهل موت الرسول، لا يمكن إن يكون إماماً؛ كيف يهدي بأمر الله وهو جاهل به، لا يمكن! مَنْ يشرب الخمور لا يمكن أن يكون هادياً بأمر الله، مَنْ يعيش مع الماجنات والمغنيات لا يمكن أن يكون هادياً بأمر الله.

 

الإمام هو الإنسان الخالص المخلص لله وفي ذات الله، فلنقرأ التاريخ ونرى ونقارن بين حياة الأئمة وبين حياة الذين حكموا الدولة السلامية: من عباسيين، وأمويين، وما إلى ذلك؛ فلنقارن مَنْ الذي يهدي بأمر الله، مَنْ الذي يعرف شريعة الله؛ نلاحظ أن أهل البيت هم الهداة بأمر الله {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.

 

3- {لَمَّا صَبَرُوا} ميزة الصبر، لأن الصبر هو الوسيلة والأداة الرئيسية للوصول والغاية ومواصلة الطريق، الأداة العملية لتطبيق المنهج الرباني.

 

{لَمَّا صَبَرُوا} استمرار وديمومة على البلاء، على تقلبات الزمان، على الظلم، على ما شابه؛ لا يتراجع، لا ينثني، لا يتخلف، لا يتنازل عن قيمه، هذا ميزة الإنسان القائد: يصبر على البلاء، يصبر على ما يكره، يصبر عما يحب، يصبر في الرزايا، لا يخضع لأهوائه وشهواته، لا ينساق معها؛ هذه ميزة القائد، ميزة الإمام.

 

4- {لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24، أعلى درجات الإيمان: هو العلم والعقل، اليقين: هو مزيج من الإرادة والصبر والإيمان والعلم؛ حينما يمتزج العلم بالصبر، والإيمان بالإرادة، يصل الإنسان إلى درجة اليقين؛ يقين لا توجد ذرة شك، معرفة وعلم كامل، ومن ثم يصل إلى درجة اليقين؛ ولذلك تكون نظرته نظرة إلى الآخرة «والآخرة بالأعمال» «الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالإعمال».

 

مَنْ يتيقن الآخرة يسعى لها، هو يرى الجنة أمامه نظرَ قلبه، ويسمع زفير جهنم بمسامع قلبه «هُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ» يقين.

 

ولذلك يرى الحقائق شاخصة أمام بصيرته، لا يشك فيها؛ هذه درجة اليقين، هذه هي الإمامة؛ فإذا كانت الإمامة تشترط بهذه المواصفات، فهل يمكن للبشرية تصيب في اختيارها؟

 

لو نظرنا إلى الواقع، ونلاحظ الانتخابات من هنا وهناك، في جميع أنحاء العالم من دون استثناء ألا نلاحظ التخبط والصراعات والاختلافات والنزاعات في قضية الانتخاب! هل تتمكن البشرية من انتخاب الأصلح، سواء كان المنتخبون هم المؤمنون أم غيرهم؟

 

نلاحظ الاختلافات والتخبطات والنزعات والصراعات على اختيار زعيم بسيط، لا يمثل الشرع في تشريعاته؛ وإنما قد يكون، وإذا كان المختار المنتخب إذا كان في دولة إسلامية أو باسم الإسلام يكون وسيطاً لفهم الإسلام، وليس لتشريعه، وليس لتأسيس القيم؛ مَنصبٌ بسيط بالنسبة لذلك، تلك الإمامة الكبرى؛ وسيط لمعرفة الحكم الشرعي، يعني هذا يكون وسيطاً بينك وبين التشريع، مع ذلك تخطئ البشرية في اختيارها، فكيف بالإمامة؟

 

لا يمكن إذن أن نوكل الأمر إلى البشرية، بل كيف تعاملت البشرية مع الأئمة، مع الأنبياء، مع الرسل على مر التاريخ؟

 

كانوا يقتلون الأنبياء، يقتلون الرسل، يتهمونهم بالسحر، بالكذب، بالجنون، وما إلى ذلك من تهم وتلفيقات؛ بل كانوا يودعون في السجون ويقتلون، ألم يكن هذا هو تعامل البشرية على امتداد التاريخ مع رسل الله وأنبيائه والأئمة؟

 

هكذا البشرية عاجزة عن معرفة ما يصلحها، لذلك جعل الله الرسل والأنبياء والأئمة وأمر البشرية بوجوب إتباعهم حتى يحفظوا سلامة مسيرهم، فإذا أرادوا أن يبنوا حضارة لا يمكن أن تبنى الحضارة إلا من خلال هؤلاء الأئمة، حضارة؛ مَنْ بنى الحضارات؟

 

بناها نبي الله يوسف، الحضارة الفرعونية بنيت على آثار حضارة نبي الله يوسف؛ حضارة سبأ بنيت على آثار حضارة نبي الله داوود وسليمان، وهكذا الحضارات تُبنى من آثار حضارات الأنبياء، ما يتبقى من قيم السماء هي تكون الدافع لبناء تلك الحضارات، إلى أن تتمحور الحضارات حول ذاتها وتتجاوز القيم فتنهار.

 

حتى حضارة اليوم بُنيت من آثار الحضارة الإسلامية، تلك القيم التي تتبنها الحضارة والشعارات ما هي إلا قيم جاء بها الإسلام، وإن لم تطبق، ترفع شعاراً، ولا تطبق في كثير منها؛ ولكن ما يطبق من تلك القيم هو الذي بنى الحضارة، تلك القيم الإسلامية الإنسانية، ولو اتبعت البشرية رسلها وأنبياءها وأئمتها لتمكنت من بناء حضارة في الدنيا والآخرة؛ ولكن حينما اتبعت أهوائها وشهواتها ماذا حل بها؟

 

حل بها التخلف والدمار، وبالخصوص الأمة الإسلامية التي أراد الله أن يجعلها خير الأمم، ولكن أبت إلا أن تكون في المؤخرة؛ أبى الله أن يجعل للكافرين سلطاناً، لكنهم أبوا إلا يكونون في المؤخرة، وفي التخلف والتبعية، والاستعباد، بسبب مناقضتهم لأئمة الهدى، بسبب ابتعادهم عن الأئمة سلام الله عليهم أجمعين، ومطاردتهم ومضايقة الأئمة.

 

هكذا تعاملت الأمة الإسلامية مع أئمة الهدى: بالتنكيل، والتعذيب، والاعتقال، والقتل، والمطاردة، والترحيل، والتغريب وما إلى ذلك من أنواع الظلم.

 

الإمام يفقد أباه وهو في بداية صباه، وهو في صباه ينكل، ويحاصر، ويوضع تحت الإقامة الجبرية، ويستهزأ به، ويسعى لأهانته، وما إلى ذلك من تصرفات تلك الأمة الخائرة؛ ولذلك طبيعي أن تخور تلك الأمة، وتضعف، وتتخلف.

 

وفي هذا اليوم لابد أن نبحث عمن يمثل منهج الأئمة، مَنْ هو الأقرب لمنهج الأئمة، مَنْ هو الأقرب لمنهج الرسل، مَنْ هو الأقرب لمنهج الأنبياء؛ لكي نخطو معه ونتبع منهجه ونلوذ به، الهدى لا يمكن إلا بأهل البيت سلام الله عليهم.

 

ولذلك أكد الرسول صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن بضرورة احترام أهل البيت، هذا القرآن الكريم جاء بذلك؛ لم يسال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك الأمة إلا المودة في القربى {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} الشورى: 23، والمودة في القربى يعود لهم.

 

يعني لو تواصت الأمة مع قرابة الرسول مع أهل بيته لتمكنوا مِنْ بناء حضارة شامخة، وتمكنوا من حفظ الأمن والغنى والثروة والسعادة والصلاح والتقدم والرقي والريادة وما إلى ذلك «الله الله في أهل بيتي، الله الله في أهل بيتي، الله الله في أهل بيتي» لكن كيف تعاملت الأمة مع هذه العترة الطاهرة؟

 

مع تأكيد الرسول، والكل يعلم، والكل يقر بهذه الرواية؛ ما من فرقة إسلامية إلا وتنقل وهذه الرواية «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي؛ ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي».

 

«الله الله في أهل بيتي، الله الله في أهل بيتي، الله الله في أهل بيتي» يكررها ثلاثاً للتأكيد {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا} الأحزاب: 33، القرآن صريح والروايات صريحة والأحداث صريحة، وشخصية الإمام تعكس الموقع وذلك الموطن: في سلوكه، في علمه، في فهمه، في معرفته، شخصٌ دليله معه، ينبأ عن صدقه، ينبأ عن شخصيته، ينبأ عن إمامته؛ لكن البشرية لم تحفظ رسول الله في أهله، بل قتلوهم، آذوهم وما إلى ذلك.

 

ومِنْ هؤلاء الأئمة الذين أوذوا الإمام الهادي سلام الله عليه على يد المتوكل، والمعتصم، والمعتز وما إلى ذلك من الحكام العباسيين؛ كم آذوه؟

 

مِنْ بدء ريعان صباه، قتلوا أباه، ولم يكتفوا، أبعدوه عن أبيه قبل أن يقتلوه، فصلوه وهو لم يبلغ السابعة من عمره، ثم قتلوا أباه وهو الإمام ابن الإمام، ثم يحاصر ثم يراقب ثم يهان، ثم ينكل، ثم تحاك المؤامرات ضده، ثم يرحل، ثم يعتقل وما إلى ذلك.

 

في منتصف الليل يهجم على بيته، يتسلق أولئك الطغاة: جنود الطغاة، أتباع الطغاة، أذيال الطغاة يتسلقون بيته مِنْ أجل اعتقاله؛ ولكن لا يجدون عنده شيئاً، ويؤخذ مِنْ أجل إهانته إلى تلك الماجن المتوكل، ويأمره بشرب الخمر ويرفض الإمام، وهكذا؛ إهانات ومضايقات وما إلى ذلك.

 

إلى أن يدس له السم ويقتل ظلماً وجوراً، ليس إلا لأنه يقول {رَبُّنَا اللَّهُ} الأحقاف: 13، ليس إلا أنه الإمام الحق، هكذا تعاملت البشرية مع تلك الإمامة ومع الأئمة، فهل يمكن للبشرية أن تختار إماماً؟ سؤال؟

 

لنقرأ التاريخ: متى رشدت البشرية في اختيار رسولها؟ متى رشدت في اختيار نبياً لها؟ هل تختار البشرية نبي الله يحيى وهو ابن ثلاث سنين نبياً؟ هل تختار الأمة نبي الله عيسى في المهد نبياً؟

 

كذلك لو خيرت البشرية لا تختار الإمام إماماً، لأن نظرتها نظرة إلى المال، نظرتها إلى الأنساب، نظرتها إلى الجاه؛ والإمامة لا ترتبط بذلك، لا ترتبط إلا باليقين، وبالسعي الإلهي، وبالصبر، وبهدى الله؛ هكذا هي الإمامة.

 

لذلك لابد أن نتأمل ونركز ذهننا وفكرنا في قضية الإمامة، لأن هي التجسيد الواقعي للتوحيد؛ الأصل في وجود الإنسان، أصل الإنسان في الحياة قائم على التوحيد، وأصل التوحيد وتجسيده الخارجي يتمثل في الرسالة والنبوة والإمامة «لولاك ما خلقت الأفلاك» لولا الرسول ما خلق الأفلاك، ما خلق شيئاً «بنا عرفتم الله» «بنا اهتديتم» لولا الإمام ضلت البشرية ما فائدتها؟ ما منفعتها؟

 

لذلك الملائكة حينما يُجعل الخليفة في الأرض {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} البقرة: 30، كيف يكون خليفة؟ كيف يستحق أن يعيش على هذه الأرض وهو يضل، ضال مضل، سافك للدماء، فاسد في هذه الأرض؟

 

لكن الله تعالى {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة: 30، لأن هناك مَنْ يستحق أن يعمر هذه الأرض، فببركاتهم تخلق هذه البشرية، وتستحق هذه أن تعيش على وجه الأرض، ببركة أولئك العترة الطاهرة والأنبياء والرسل والأئمة، بركة أولئك؛ لذلك تخضع الملائكة، وتخضع كل القوى لأمثال أولئك الأنبياء والرسل والأئمة.

 

فلولاهم لم تستحق البشرية الوجود، وجونا بوجودهم، هدانا بهدهم، قيمتنا بقيمتهم، بمكانتهم، بعظمتهم؛ لولاهم لا قيمة لنا، بل لولاهم لساخت الأرض بأهلها «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها» ولولا رحمة الله لنزل غضب الله عليهم حينما يؤذون نبياً، أو رسولاً، أو إماماً، ولو في أظفره؛ لكن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة، لأن الدنيا لا قيمة لها.

 

ولهذا جاء في الحديث عن الإمام -يبين- قدر الإنسان «قَدَّرُهُ أن يعرف أن الدنيا ليست قَدَرَه» ليست الدنيا قدر الإنسان المؤمن، لا قيمة لها، لا تسوى جناح بعوضة؛ لو كانت تسوى جناح بعوضة ما تجرأ إنسان أن يعتدي على رسولاً، أو نبياً، أو إماماً؛ لكن هي الدنيا للابتلاء والاختبار، ولكي يعمل الإنسان الصالحات؛ فيثاب بالجنة، أو مَنْ يعمل السيئات يعاقب بالنار.

 

هي الدنيا دار ابتلاء ودار امتحان، نجح الكثير وسقط الكثير؛ وأبرز الابتلاءات هي الابتلاء في القيم {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} العنكبوت: 1-2، لابد مِنْ فتنة، والفتنة في القيادة؛ كيف تتعامل البشرية مع قيادتها؟

 

هذه الأمة مع الأسف؛ أساس تعاملها مع قيادتها الشرعية، مع رسولها، مع أهل بيته، مع فاطمة، مع الأئمة سلام الله عليهم أساسهم لهم جميعاً؛ ولذلك ستعيش التخلف إن لم تتفكر في أمرها، وتعيد النظر، وتصلح من أمرها.

 

وفي مثل هذه الليلة نحن نجدد الحزن، والأحزان على أئمة الهدى الذين فقدناهم بسبب جهل الأمة، وبسبب عجرفتها، وبسبب طغيانها.

 

نسأل الله لنا وللجميع أن نوفق للارتباط بأهل البيت، وللتمسك بهداهم، وأن نعود للاغتراف من معينهم، أن نجعلهم قبلة فكرية، وعقيدةً وسلوكيةً؛ منهم نغترف، ومنهم نرتشف، وبهم نهتدي؛ إنه سميع الدعاء، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
مسيرة شعبية في العوامية: 2 يناير 2014 م 21
صوتيات
مجالات الكمال الإنساني تشغيل مجالات الكمال الإنساني
بواعث القتل والأقتتال وسلب الأمن تشغيل بواعث القتل والأقتتال وسلب الأمن
5- مشاركة لأحد أبناء الطائفة السُنية في المنطقة .. تشغيل 5- مشاركة لأحد أبناء الطائفة السُنية في المنطقة ..
ماذا بعد عاشوراء (3) تشغيل ماذا بعد عاشوراء (3)
الدور الحقيقي للمرأة تشغيل الدور الحقيقي للمرأة
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 29
زوار الموقع 8687808