شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / كلمات المناسبات الإسلامية: الموالد
(43/ج): ركائز البناء الحضاري
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر : مشروع (مداد العلماء) | 2015-12-28| Hits [11898]



 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وأشرف الخلق أجمعين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم، في محكم كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف: 156- 158، أمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

البناء الإنساني والتشييد الحضاري يبدأ بكلمة، تجمعها رسالة، تتصف تلك الرسالة بالتجديد ومواكبة العصر، وتتصف بالثبات والاعتماد على الأصول.

 

تلك الكلمة التي تكون أكبر من المكان والزمان والظروف، تلك الكلمة التي تستوعب الإنسان والكون أجمع، تلك الكلمة التي تستطيع الاستجابة لجميع حاجيات الكون والإنسان، تلك الكلمة التي تُجيب على جميع التساؤلات، وتلبي جميع الحاجيات مهما كان الإنسان، ومهما كانت الظروف، ومهما كان الزمان، وفي أي مكان.

 

رسالةٌ أكبر مِنْ الزمان، رسالةٌ لا يحدها المكان، رسالةٌ أوسع مِنْ أفق الإنسان، رسالةٌ أقوى مِنْ كل الظروف؛ ألا وهي رسالة السماء التي تمثلت في كتاب الله، فهذه هي اللبنة الأولى للبناء: القرآن الكريم، ذلك النور الذي يُبدد جميع الظلام: ظلام الشرك، ظلام الجهل، ظلام الأهواء، ظلام الشهوات، ظلام النزوات، ظلام الطاغوت، ظلام الجبت الداخلي والطاغوت الخارجي.

 

إنها الكلمة التي رسخت جذورها وعلت مكانتها، وعلت فروعها {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} إبراهيم: 24-25، هي تلك الكلمة الرسالية التي منها يبدأ البناء: بناء الإنسان، بناء الأجيال، بناء الأسرة، بناء الحضارة، بناء كل خيرٍ، بناء كل شيء.

 

إذاً هي الكلمة الرسالية التي منها ينطلق الإنسان إلى آفاق ملكوت السماء، يقتلع نفسه مِنْ ثقل الأرض، مِنْ تثاقل الأهواء والشهوات؛ إلى رحاب العقل، إلى معارف الكمال.

 

إذاً لابد مِنْ كلمةٍ أولاً، ولابد أن تكون تلك الكلمة هي الكلمة الرسالية: كلمة القرآن، هذا هو الأصل للبناء.

 

وبعد ذلك تأتي اللبنة الثانية متمثلةً في مَنْ يحمل مشعل تلك الكلمة، مَنْ يفهمها، مَنْ يستوعبها، مَنْ يدافع عن حماها: وهو رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته، والعلماء الربانيون.

 

إذاً القيادة ثانياً، ولا يمكن للبناء أن يقوم إلا على قيادة ربانية، لابد مِنْ تلك القيادة للبناء الحضاري، لبناء الإنسان؛ رسالةٌ ورسولٌ {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} آل عمران: 53، جناحان ركيزتان أصلان للحياة: فِكرٌ وقِيادةٌ.

 

الفكر بمفرده يموت إن لم تكن هناك قيادة تحمل على عاتقها وتتحمل مسؤولية ذلك الفكر، ولذلك أرسل الله الرسل، وبعث الأنبياء، ولم يكتفي بإنزال الرسالات، ولم يكتفي بإرسال الصحف؛ وإنما لابد للصحف ممن يحملها، ولابد للقرآن مَنْ يحمله، لا يكفي القرآن "حسبنا كتاب الله" لا يكفي؛ الكتاب بين أيدينا، وهذا هو موجود؛ فهل أخرجنا بمفرده مفصولاً عن القيادة؟ هل أخرجنا مِنْ رِبقة الجهل؟ مِنْ رِبقة العبودية؟ مِنْ رِبقة التخلف؟ مِنْ المشاكل؟ هل أنحلت مشاكلنا؟

 

لا، كلا ولن تحل؛ لأن القرآن يقول لابد من قائد تتبعوه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الحشر: 7، وفي آية أخرى {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} الحجرات: 7، لابد من قيادة {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} النساء: 59، كثيرة هي الآيات التي أمرت بإتباع القيادة، ولا نجاة إلا بالقيادة، ولا خروج من ذلك الواقع الجاهلي المتخلف المستعبد إلا بوجود قيادة قرآنية؛ كما يقول الإمام علي سلام الله عليه «أنا القرآن الناطق».

 

لابد من قرآن ينطق في الخارج، تلك هي حروف؛ لابد أن تتجسد في الواقع، لابد من رجلٍ يجسدها، تلك النظريات حتى لا تبقى محلقة في الآفاق بعيدة عن الواقع، حتى لا تكون مُثلاً أفلاطونية، لابد مِنْ رجل يحولها ويجسدها ويعلن إمكانية تطبيقها.

 

لابد إذاً مِنْ قيادة تحول القرآن إلى شخوص خارجية، إلى حياة تتحرك، لابد أن يُفسر القرآن، يُطبق القرآن، يُجسد القرآن، يُجسد الأخلاق، يُجسد العقيدة، يُجسد النظرية.

 

لابد إذاً مِن قيادة؛ الفكر بمفرده يبقى مُحلقاً بعيداً عن النص، يبقى في السماوات العلى، كما كان فيما مضى، قبل نزول الرسول؛ كان القرآن موجوداً في السماء ولم يكن هناك الرسول، ولم ينزل القرآن إلى هذه الأرض إلا بعد أن وُجد الرسول، ولو لم يكن الرسول لما نزل القرآن؛ لأنه ما مِنْ أحد يتمكن من استيعاب ذاك القرآن أجمع وتطبيق ذلك القرآن أجمع إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن ثم بتعليم رسول الله وبتأديب رسول الله كان الأئمة سلام الله عليهم أجمعين؛ إذاً لابد من قيادة ربانية هي اللبنة الثانية للبناء.

 

اللبنة الثالثة: طليعة تستجيب لذلك الفكر وتلك القيادة، تتفاعل مع ذلك الفكر، تؤمن بذلك الفكر، لا تتردد، لا تشكك؛ تتحمل المسؤولية، تدافع عن القيادة، تؤمن بالقيادة، تؤازر القيادة، تنصر القيادة.

 

هذه الطليعة هي اللبنة الثالثة، مِنْ دونها لا يمكن تشييد البناء «أفسدتم عليَّ أمري بالعصيان».

 

هناك القيادة: قيادة الأمير، وهناك الفكر القرآني عند الأمير؛ ولكن حينما تُفقد الطليعة، حينما يُفقد الحواريون، حينما تنعدم الأمة المؤمنة لا يمكن للبناء أن يُشيد {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ} آل عمران: 104، هذه الأمة هي التي تحمل على عاتقها البناء مع تلك القيادة.

 

هذه ثلاث ركائز للبناء الحضاري: الفكر، والقيادة، والأمة المؤمنة؛ ومع ميلاد الرسول الأكرم، النبي الأعظم؛ لابد أن نُجدد العهد ونُكوِّن الطليعة لكي نتمكن من البناء، لابد أن تكون هناك طليعة تستجيب للفكر القرآني دون سواه، تستجيب للقيادة الربانية دون سواها.

 

يعني بمعنى آخر: ميلاد الرسول كان إيذاناً بنهاية الجاهليات، إيذاناً بتهاوي شرفات في إيوان كسرى، وتهاوي الكنائس في بحيرة ساوه، وإخماد النار المجوسية؛ الولادة كانت إيذاناً بالقضاء على كل فكر جاهلي.

 

حينما يتطاول الزمان على الناس يبتعد الناس عن الفكر الصافي، فيفتقد المجتمع الركيزة الأساسية للبناء، وحينما يُغيَّب الفكر الرسالي هنالك تزاح القيادة عن مكانتها؛ تبقى بعيدةً مبعدةً عن ممارسة دورها؛ وبالتالي لا تكون هناك طليعة.

 

فلابد من التجديد وإعادة النظر في كل ميلاد لرسول الله، وكل ميلاد لأبناء رسول الله؛ لابد أن نُجدد النظر، ونُعيد النظر، ونُثير العقول؛ لأن الأنبياء كما يقول الأمير سلام الله عليه لماذا بُعثوا؟

 

«ويثيروا لهم دفائن العقول» بمعنى: نحن في مجتمعنا هذا اليوم، بدأت العاطفة تسيطر علينا، وبدأ العقل يَغيب ويُغيَّب، وبدأت تُستغل العاطفة لتغيب العقل، ولتمرير أفكاراً جاهلية، وقصصاً خرافية، ومصالحاً شخصية وما شابه ذلك؛ يُستغل البساطة التي تعيشها المجتمعات لجعل العقل في سبات، ولجعل العاطفة غالبةً، ولجعل العاطفة مغيبةً للعقل؛ فتُمرر الأفكار الجاهلية، وتنتشر الأفكار الإباحية، السلوكيات الإباحية مِنْ هنا وهناك، لماذا؟ ما هو السبب؟

 

السبب: غياب العقل، حينما يَغيب العقل يَبقى الفكر مشوشاً، فبالتالي لابد من ميلاد للعقل من جديد.

 

الرسول يقوم بمهمةِ إثارة العقل {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} الغاشية: 21، الفكر موجود، لكن العقل غائب! فيشوش الأفكار في ذهن هذا المُغيِّب لعقله، الفكر معروف تقبله الفطرة، تستقبله، تحبه، تعايشه؛ لكن حينما يغيب العقل تتلوث الفطرة «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَة» فطرة التوحيد، لكن حينما يغيب العقل تتلوث، هذه الأفكار الربانية تغيب، يحل محلها أفكاراً دخيلة.

 

لذلك لابد مع ميلاد الرسول من ميلاد للعقل يقوم بمهمة التجديد: تجديد الفكر لكي يواكب العصر، يُجسر الماضي بالحاضر، ويُجسر الحاضر لكي يُكيِّف بالمستقبل، لكي يستشرفه؛ لابد من عقول متفتحة تفهم عصرها، تدرك عصرها، تعرف ما يدور حولها «العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» مَنْ يعرف زمانه، مَنْ يغيب عقله يجهل زمانه.

 

ولذلك لابد من عقل حاضر يُفكر في ما يدور حوله من مؤامرات سياسية: باسم الدين، باسم المصلحة، باسم السياسية، أو بأي اسم آخر؛ ومؤامرات اجتماعية باسم الدين، باسم المصلحة، باسم المجتمع، بأي اسم آخر؛ وهكذا مؤامرات بأي اسم تَلبست، بأي ثوب تَسربلت؛ ما هي إلا أفاعي لا تعيش إلا مع غياب العقل.

 

لذلك لابد أن نفكر نتأمل في الفكر الذي نُعايشه، لابد أن نُعيد النظر في تراثنا، ليس كل ما في كتب التراث صحيحاً؛ بل هناك الموضوعات، ليس كل ما يروى عن أهل البيت صحيحاً، بل هناك الموضوعات هناك مَنْ يأتي ويقول للإمام عليه السلام بعد أن يتوب ذلك الرجل يقول: «لقد وضعت على أبيك ثلاثين ألف حديث»!

 

وهكذا كثيرة هي الموضوعات، كثيرة هي الأفكار الجاهلية، كثيرة هي المعتقدات الخاطئة؛ ماذا تُقيم مجتمعاً يعتقد بالخرافات؟ ماذا تُقيم مجتمعاً قائمٌ على الأحلام؟

 

لا ريب في فكر ذلك المجتمع خلل، الخلل موجود في الفكر الذي يعتقده ذلك المجتمع.

 

حينما تلاحظ أن المجتمع يلجأ لحل مشاكله إلى الشعودات، إلى الأحلام، إلى ما شابه من تلك الخرافات؛ فاعلم أن هناك خللاً جلياً في فكر ذلك المجتمع، في تراث ذلك المجتمع، في كتب ذلك المجتمع، ولابد من إعادة النظر في تلك الأفكار؛ حتى نتمكن من صياغة ذلك المجتمع من جديد وفق قيم القرآن، وفق الفكر الرباني؛ وهذا يحتاج إلى قيادة جريئة لا تخشَ الناس، لا تخاف السلطان، لا تخضع للجبت.

 

قيادة تُؤمن بكل ما في القرآن، قيادة تملك روحَ التجديد، تتصدى للمجتمع، تواجه كل سلبيات المجتمع، لا تخشَ أحداً، لا تخاف أحداً، تناقش التراث بكل جرأة، تناقش الأفكار، تتكئ على الدليل والبرهان: "نحن أصحاب الدليل" هذه عقيدتنا، هذه هي الإنسانية؛ بل هي الحجة.

 

العقل هو الحجة على الإنسان «لما خلق الله العَقْلُ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فأقْبَلَ، ثم قَالَ: لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فقَالَ: وعزتي وجلالي مَا خَلَقْتُ خَلْقَاً أحسن منك ... وإياك أثيب وإياك أعاقب» (الكافي: ج: 1، ص: 10، ح: 1) وما عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وهو أعظم خلق الله وأفضل خلق الله إلا بكبر عقله.

 

هذا العقل الكبير الذي لم يخاطبنا بعقله، وإنما خاطبنا بعقولنا، لا نتمكن مِنْ استيعاب ما يحمله من فكر «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» لا نتمكن، هذا العقل الكبير هو عظمة الرسول.

 

فعظمة الإنسان ومكانة الإنسان بعقله، وهو الحجة «إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة؛ فأما الظاهرة فهي الرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، أما الباطنة فالعقول» ولا تعرف الحجة الأولى إلا بالحجة الثانية، لا تعرف الحجة الظاهرة إلا بالحجة الباطنة، بالعقل يعرف الأنبياء.

 

كيف نميز بين هذا وذاك؟ بين مَنْ يدعي النبوة؟ بمَنْ يكون صادقاً؟ يعرف الرسول بالرسالة، بالفكر، كيف يميز الفكر؟

 

بالعقل، بالعقل يُميز «نُصِبَ الْخَلْقُ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلاَ نَجَاةَ إِلاِّ بِالطَّاعَةِ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» هذا الفكر القرآني «وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ» بالعقل «وَلاَ عِلْمَ إِلاَّ مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ؛ وَمَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْلِ» ركيزتا البناء: الفكر والقيادة.

 

العقل هو الذي يُشخصهما، هو الذي يقول: هذا فكر حق أم هو فكر باطل؛ لأن الحق يحمل دليله معه، ما مِنْ حق إلا ويحمل الدليل معه؛ أما الخرافات، أما الباطل فلا دليل له.

 

وما دام الحق يحمل الدليل كل إنسان يحرك عقله يمكن أن يصيبه ويعرفه؛ فلابد إذاً أن نُجدد النظر في فكرنا، في عقيدتنا، معتقداتنا، أفكارنا، نظرياتنا، بما هو مكتوب، بما هو يتداول.

 

مع احترامي لابد أن نقف لحظة تأمل، من باب المثال في بعض الأفكار المدونة في كتبنا: المولد الذي يُقرأ في مثل تلك الليلة، لو وقفنا وتأملنا هذا المكتوب، اقرؤوا وأعيدوا النظر؛ هل يقبله عقلك؟ هل تقبل تلك الممارسات لابنك أن يمارسها؟ هل تقبل لبنتك أن تمارس تلك الممارسات؟ هل تقبل أن يمارس ابنك الممارسات التي مارسها الرسول في ذلك المولد الذي يُقرأ؟ هل تقبل لبنتك أن تمارس تلك الممارسات التي مارستها خديجة؟

 

إذا كنت لا تقبل فكيف تقبلها من رسول الله؟ من السيدة خديجة الطاهرة المطهرة؟ أين عقلك؟ لماذا يغيب؟ هل تخاف؟ هل تساير؟ هل تغيب عقلك؟

 

كما أن هناك إرادة لتغيب عقلك، لماذا أنت تستجيب وتغيبه؟

 

قصة غرام غزل، قصة رومانسية مختلقة تلفق على رسول الله! كيف تصدقها؟

 

إذا أردت أن تعرف العاقل «حدِّث العاقل بما لا يُعْقَل، فان صدّقك فلا عقل له» كما في الروايات، هذه الممارسة التي ترفض أن تمارسها أبنتك، كيف تقبل أن تصدر من سيدةٍ طاهرةٍ، مِنْ أفضل زوجة لرسول الله صلى الله عليه وآله؟

 

لا يمكن، فلماذا تتداول هذه الأفكار؟

 

لأن العقول مغيبة، وماذا تنتج هذه الأفكار؟

 

تنتج مجتمع ضعيف خائر، يلجأ إلى الشعودات، والأحلام، والخرافات، وما إلى ذلك.

 

إذاً لابد من تجديد النظر، لابد أن نتجرأ، لابد أن نتحدث بفمٍ مليان، لابد أن نُسمع صوتنا صوت الحق، ونناقش، ونتحاور، ويُؤتى بالدليل، ولابد أن نكون على بصيرة في معتقداتنا {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ} على ماذا؟ على خرافات؟ {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يوسف: 108، لابد أن يكون هناك دليل على معتقداتي، نعرض الأمور على العقل، ويناقش البشرية بالعقل، لم يَفرض عليهم أمراً لا تستوعبه عقولهم.

 

ولذلك {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يوسف: 2، {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الحشر: 21، {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء: 78، أين العقول؟ لماذا غيبت؟

 

هذا هو منطق القرآن، فلابد أن نعيد النظر، ونجدد الفكر في هذه الرحلة؛ لابد أن نعود إلى القرآن، لابد أن نعود إلى فكر القرآن، نقتبس منه رؤانا، أفكارنا، قيمنا، منهجنا، طريقة تفكيرنا؛ القرآن هو الأساس.

 

والقرآن واضح جلي يوافق العقل والعقل يوافقه، بل كل فكرة لابد أن نعرضها على القرآن؛ إن خالفت القرآن ضربناها بعرض الحائط كما في الروايات «وإن خالف القرآن، فاضربوا به عرض الحائط» كل فكرة تناقض القرآن وتخالف القرآن مرفوضة.

 

فإذاً ولا توجد فكرة تخالف القرآن إلا والعقل يرفضها، لكن حينما يغيب العقل يُلبس القرآن ظلماً وزوراً تلك الأفكار، ويلبس الإسلام، وبالتالي تكون النتيجة الدمار؛ هو رفض، هو ابتعاد الناس؛ العقلاء لا يريدون دين خرافات.

 

فإذاً لابد أن نُعيد النظر، لابد أن يكون ميلاداً جديداً لفكرٍ يتجدد؛ القرآن فكر يتجدد مع كل زمان، هي الرسالة التي تتجدد؛ لأنها أوسع من الزمان هي، مِنْ خالق الزمان؛ هي أوسع مِنْ المكان، هي مِنْ خالق المكان؛ هي أكبر مِنْ الإنسان، هي مِنْ خالق الإنسان؛ هي أكبر مِنْ الظروف، هي مِنْ يتحكم في الظروف.

 

هناك مُرسِّل وهو الله، وهناك رسالة، وهناك رسول وهناك مُرسَّل إليه؛ فالمُرسِّل وهو الله أرسل تلك الرسالة بل ولا يرسل إلا رسالةً أوسع وأكبر من الواقع الذي يُرسل إليه، وإلا تكون ناقصة! وحاشى لله أن يرسل شيئاً ناقصاً فيه {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} النحل: 89، فالرسالة أكبر مِنْ الزمان والمكان والظروف والإنسان والكون، فإذاً أين الخلل؟

 

الخلل فينا، فهمنا خاطئ لهذا القرآن؛ بل لم نقرأ القرآن، استقبلنا الأفكار، قرأنا الأفكار الأخرى دون أن نقرأ القرآن، دون أن نتدبر آيات القرآن؛ لو كنا نتدبر القرآن لتهاوت تلك الخرافات، لكننا بسبب بُعدنا عن القرآن، وبسبب بُعدنا عن القيادات الربانية هكذا «النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ» ذلك المتعلم الذي يستحضر عقله، ويأخذ العلم من العالم الرباني، ويأخذ العلم بعقله «وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ» يوماً خرافة، ويوماً حلمة ويوماً شيئاً آخر؛ والمجتمعات كل يوم عندك تلفيق جديد! وتقليعة جديدة!

 

«لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ» لم يستضيئوا بالقرآن، لم يستضيئوا بالفكر الرسالي «وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ» ولم يأخذوا العلم مِنْ العالم الرباني.

 

ركيزتان دائماً وأبداً يؤكد عليهما القرآن: الفكر الرباني، والقيادة الرسالية {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ} آل عمران: 53، الفكر القرآني {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} فهي القيادة الرسالية {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} آل عمران: 193، يوجد رسالة، ويوجد رسول قيادة هنا، هاتان الركيزتان.

 

حينما تغيب -سيكون- فكراً مشوشاً، وقيادة جاهلة، قيادة مصلحية، قيادة ضعيفة، قيادة بعيدة عن القرآن، ماذا تكون النتيجة؟

 

أجيال خائرة، ضعيفة، ميتة، شكاكة، منحرفة، متعبة، مشاكسة وما شابه؛ كل تلك المشاكل هي نتاج ابتعاد المجتمع عن القرآن.

 

إذا أردنا أن نحل تلك المشاكل، وننهض ونبني حضارة، ونخرج من ربقة العبودية والجهل والتخلف؛ لابد من عودة إلى القرآن، وإلى القيادة القرآنية؛ قائد قرآني وفكر قرآني.

 

فإذاً لابد من تكوين طليعة تؤمن بالفكر القرآني، والقيادة القرآنية.

 

نسأل الله أن نكون من تلك الأمة المؤمنة التي تؤمن بالقرآن الكريم، وتؤمن بقيادة ربانية كريمة؛ إنه سميع الدعاء، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 

 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
ألبوم خطاب القيم 1
صوتيات
التوبة النصوح والإصلاح تشغيل التوبة النصوح والإصلاح
القيادة والأمة بين ثقافة الأرض ووحي السماء تشغيل القيادة والأمة بين ثقافة الأرض ووحي السماء
الصبر أصل الخيرات تشغيل الصبر أصل الخيرات
البينة والإثبات بمضي 30 يوماً تشغيل البينة والإثبات بمضي 30 يوماً
وصية النبي (ص) لشمعون وصي النبي عيسى (ع): (24) تشغيل وصية النبي (ص) لشمعون وصي النبي عيسى (ع): (24)
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 15
زوار الموقع 8599902