شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / البحوث القرآنية
(6/خ): رؤى في آيات الصوم (6)
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر : مشروع (مداد العلماء) | 2015-07-08| Hits [5618]


 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 185، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

للصوم أحكام وأهداف، الأحكام شُرعّة مِنْ أجل تحقيق الأهداف؛ في هذه الآية بعض الأحكام وبعض الأهداف، ذكرنا قسماً منها؛ وفي هذا المقطع نُبين بعضَ الأحكام وبعضَ الأهداف: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} البقرة: 185، صيام وتثبيت القضاء مِنْ أجل إكمال العدة {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} يعني الله سبحانه وتعالى حينما قال {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ} لماذا؟

 

الله سبحانه وتعالى أوجب القضاء حتى تتحقق فائدة الصوم متكاملة، إنسان صار عنده عائقاً، قد يكون الشهر كاملاً لم يصمه، رمضان كله كان مسافراً؛ هدف الصوم ذهب، أو صام عشرة أيام، وعشرين يوم لم يصم، هذه أثرت بقدرٍ؛ لكن لم تتحقق الأهداف، ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً هي التي تحقق القدر المرجو من الأهداف.

 

لذلك كان هناك القضاء {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} البقرة: 185، هنا القضاء حتى يكون هناك كمالاً للعدة، شهراً كاملاً؛ شهر رمضان يُصام بكماله وتمامه حتى تتحقق الأهداف.

 

إذاً وجوب القضاء مِنْ أجل إكمال عدد الأيام لكي تتحقق الأهداف، فلذلك يجب القضاء؛ شخص مثلاً يقول: سافرنا يكفي علينا سفر، لماذا نقضي؟

 

يقول: لا، لأجل العدة، حتى يكمل {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم} البقرة: 185.

 

والأمر الآخر من أهداف الصيام ومن أهداف القضاء ومن أهداف التشريعات الأخرى أيضاً: هي تعظيم الله، لأنه حينما يُعظم الإنسان ربه تهون عليه الدنيا وما فيها، الصيام يُؤتى به لكي الإنسان يعظم الخالق: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم} البقرة: 185، أي لتعظموه «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ».

 

إذاً الصوم هدفه التعظيم لله، فحينما يُعظم الإنسان ربه هنالك تهون عليه الدنيا {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ} البقرة: 153، يعني استعينوا بالصوم على هذه الدنيا وما فيها، كيف نستعين بالصوم؟

 

لأن بالصوم نعظم الله، وحينما نُعظم الله تصغر الدنيا «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» كل المصائب، كل الأزمات، كل التحولات، كل ما يدور في هذه الدنيا يهون، كلها تهون، تصير صغيرة «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» تتصورون أحداً يفقد بيته، شيء كبير يكونه عنده؛ واحد آخر يفقد أملاكاً من أملاكه، واحد آخر يفقد دولة؛ هذا يفقد شيئاً كبيراً في عينه، الإمام علي سلام الله عليه عنده إمبراطورية: خمسون دولة بدول اليوم، خمسون دولة!

 

دولة لا قيمة لها في عين الإمام علي عليه السلام إلا أن يقيم حقاً أو يزيل باطلاً، ليس لها قيمة؛ لأن الدنيا صغيرة في نظره، لأنه عظم الله عظم الخالق في نفسه، صغر ما دونه في عينه؛ طبيعي.

 

الصوم طريق لتعظيم الخالق، لأن العائق بين الإنسان وبين رؤيته لملكوت الله هي الأهواء والشهوات: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض» (بحار الأنوار: ج: 60، ص: 332) فيرى عظمته، الأهواء حُجب، الشهوات حُجب؛ حينما يصوم الإنسان: يصوم عن الطعام، يصوم عن الجنس، يصوم عن مغريات الدنيا؛ هذه الحجب تتهاوى، فيُبصر الحقيقة، فيُبصر العظمة؛ لذلك يَعظم الخالق في نفسه.

 

لذلك إذا امتلأت المعدة غابت الفكرة، كثرة الطعام تعمل تشوشاً على الرؤية، يثقل الإنسان؛ لهث الإنسان وراء الدنيا، وراء الحياة، تجعله قاصراً عن معرفة حقائق الحياة، وما يصلح الإنسان في هذه الحياة، هو ما يضره.

 

فإذا صام الإنسان عن الأهواء، وعن الشهوات، واستطاع أن يُكبل الشياطين، وتبقى الشياطين مكبلة؛ كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان: «إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ ... وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ ... وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ ...» إذا استطاع، هنا تتفتح أمامه أبواب الرحمة، وأبواب المعرفة فيعظم الخالق؛ ولذلك تنهار.

 

ولذلك {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم} البقرة: 185، تشريعات هدى، القرآن فيه تشريعات تهدي إلى طريق الجنة، تهدي إلى تربية النفس؛ الهدى: يعني الطريق، يهتدي الإنسان ببركة الصوم لتربية نفسه، لتزكية نفسه، لتطهيرها؛ الإنسان كيف يربي نفسه؟

 

لا يعرف! وأزمات تواجهه ولا يعرف؛ حينما يصوم يتربى بقدرٍ، فيهتدي؛ الله سبحانه وتعالى إذاً هداه لتربية نفسه، هداه لتنمية الصبر، هداه لتنمية الإرادة؛ لا يكون ضعيفاً وجباناً أمام الطغاة، أمام هوس المجتمع، أمام ضغوط الحياة؛ بل يصبر على هذه الضغوط، وعنده إرادة لمقاومتها: «الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ» الصوم هو الصبر، فالصوم هو الصبر؛ يعني يهديه لتحمل البلاء الذي يكرهه، وتحمل فراق النعمة التي يحبها؛ وبالتالي تصير عنده إرادة قوية، ويتغلب على نفسه، يهديه لتغلب على النفس: «ميدانكم الأول أنفسكم فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن عجزتم عنها كنتم عن غيرها أعجز».

 

فيعظم الخالق، لأن الله هو الذي مكّنه من السيطرة على نفسه، كان يعبد هواه؛ فبالتالي كان ضعيفاً، حينما صام عَبد ربه، فعرف حقيقة النفس والذات والهوى وما شابه؛ فيعظم الخالق {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} البقرة: 185، يقول هنا {وَلَعَلَّكُمْ}، {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: 7، {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} سبأ: 13.

 

الإنسان توسوس له شياطين الجن والإنس، الأهواء والشهوات، جبت، وطاغوت؛ فيضل الطريق، هنا الصيام يُعيده إلى الطريق، يُعيده إلى الجادة المستقيمة، فهل يشكر هذه النعمة؟

 

كان غافلاً على امتداد أحد عشر شهراً، كان مسترسلاً مع الحياة، وكان يعيش الألم والصعاب والعقد؛ جاء شهر رمضان، من باب مثال أنا آتي فقط بشيء صغير: بدأ يصوم، بدأت تتقوى نفسيته؛ بدأ يحضر المسجد، يصلي جماعة، بدأت تتألق روحيته؛ بدأ يقرأ القرآن، بدأت تتفتح آفاقه؛ رأى أشياءً ما شاء الله، فرأى أن الصيام بركة وخير، هذه نِعم؛ رأى نفسه إنساناً آخراً، إنساناً عظيماً، أين كان بالأمس؟ أين كان منغمساً في مستنقع الحياة، مستنقع الضعف؟

 

الآن ببركة الصوم تألق، وعرج بروحه إلى ملكوت الله، ولو بقدرٍ؛ فهنا يشكر ربه، يقول الله: "لعل" ليس إجبارياً "لعل" الصوم بحد ذاته وشخص يصوم يتقوى صبره، حتى لو لم يكن لله؛ يعني الصوم، إنسان نام من الصبح، من أذان الفجر إلى الليل، لا يأكل، لا يشرب، لا يمارس الجنس وما شابه؛ هذه ليست لله -نيته-، هذا بحد ذاته يقوي روحيته.

 

ولهذا يوجد مذاهب يُقّوون أتباعهم مِنْ خلال عدم تناول مجموعة من الأطعمة، مثلاً لا يتناولون لحوماً، أو لا يتناولون كذا، أو يمتنعون عن الشيء؛ منع النفس عن شيء يقوي إرادة الإنسان، وينمي سيطرته على نفسه؛ فهذا موجود، ليس له ربط؛ فبالتالي يوجد أموراً أخرى تتحقق طبيعي مِنْ خلال الإمساك، مِنْ خلال الصيام؛ لكن أنشكر؟

 

بل كما {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، هذا بإرادتنا، ليس إجبارياً، ليس شيئاً لازماً عليه؛ هذا أنت تقرره، تكون عندك أرضية قابلة لأن تشكر الرب، والشكر يعني العبودية لله، يعني الصوم يكون طريقاً لتغير وتحول الإنسان.

 

ولذلك نحن نلحظ يأتي شهر رمضان يصير عند الإنسان تحول، ومن ثم بعد شهر رمضان أيضاً تراه إنساناً تغيرت سلوكياته، وتغيرت أفكاره وأخلاقه، وحياته إلى الأفضل، إلى الأحسن؛ وبدأ يكون عنده ارتباطاً بربه بشكل أعمق وما شابه؛ هذا هو الشكر.

 

إذاً هذا حصل على الشكر، وشخص آخر دخل رمضان وخرج كما كان، أو أسوء! يختلف ولذلك {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 185، أي لعل الإنسان يعود إلى ربه، ويحمد ربه؛ وهو عبارة عن العبودية لله، والتسليم لله.

 

ولذلك {لَئِنْ شَكَرْتُمْ} إبراهيم: 7، يعني شخص يصلي ركعتين هذه يقول: شكراً لله، لأن هذه عبودية؛ يقول الحمد لله، هذا يعني شكراً لله؛ يتصدق لأن الله أعطاه مالاً، يقول الحمد لله؛ يقوم يأخذ من المال قسماً ويعطيه لليتيم للفقير وما شابه، هذا شكر؛ هذا العمل شكراً لله عملياً، ليس عنده شح النفس، وليس عنده الخوف أو ما شابه.

 

فهذا الإنسان يتحول بعد شهر رمضان إلى داعية للحق والقيم والرسالة، لا يخاف؛ هذا شكر لله، صار عنده قوة وقدرة وإيمان عميق، صار عنده جرأة وما شابه.

 

بالتالي هذه العبودية لله، يخاف الله لا يخاف سواه؛ هذا هو الشكر لله، هذه عبودية لله؛ ولذلك الصوم مِنْ أجل الشكر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 185، لأن الإنسان يقول الآن لماذا يخاف؟

 

يصبر على الأذى، لماذا يتكاسل؟ يصبر على العبادة، لماذا كذا؟ بالتالي عنده الصبر، عنده الإرادة، ببركة الصوم؛ فإذا مارسها هنا بلغ الشكر.

 

إذاً الله سبحانه وتعالى شرع الصوم، وشرع الأحكام لأهداف؛ من هذه الأهداف: التعظيم الإلهي، من هذه الأهداف: الشكر لله، وهذه الأهداف المهمة لابد أن نلحظها، ونسعى لتحقيقها.

 

يعني نحن مِنْ خلال الصوم نعظم الخالق، ونستصغر الدنيا، نتعالى على ما فيها، وطبيعي الإنسان بالصوم؛ تكون عنده إرادة تتقوى على مغريات الحياة بقدرٍ، لكن الشكر وهو الأهم؛ لابد أن نسعى إليه نتحول، كما يقول الله سبحانه وتعالى {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} فلنكن من هؤلاء القلة، وليس كل مَنْ يصوم يحصل الشكر: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} سبأ: 13، لكن بإمكان كل واحد.

 

لذلك نسأل الله أن يجعلنا من أولئك القلة الذين يشكرون الله على ما هداهم، وعلى ما أنعم عليهم من تشريعات، ونعم متعددة لا يحصيها إلا هو.

 

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 

 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
تصميم مشكاة الفكر (30)
صوتيات
الخطبة (2) لا حوار مع الطاغي تشغيل الخطبة (2) لا حوار مع الطاغي
ركوب سفينة أهل البيت (عليهم السلام) تشغيل ركوب سفينة أهل البيت (عليهم السلام)
كلمة المعارض السياسي-السعودي فؤاد البراهيم تشغيل كلمة المعارض السياسي-السعودي فؤاد البراهيم
العقل هو الدين: (06) تشغيل العقل هو الدين: (06)
بئس الزاد العدوان تشغيل بئس الزاد العدوان
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 31
زوار الموقع 8657970