شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / البحوث القرآنية
(5/خ): رؤى في آيات الصوم (5)
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر : مشروع (مداد العلماء) | 2015-06-27| Hits [5313]

 

رؤى في آيات الصوم (5)

 

سورة البقرة: آيـة (185)

 

الاستماع للمحاضرة صوتية:

 

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم، في محكم كتابه الكريم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 185، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

في هذه الآية يُبين الله سبحانه وتعالى مجموعة من الأحكام، ويبين فلسفة هذه الأحكام، وفلسفة الصيام، الأهداف التي من أجلها شُرعت تلك الأحكام، وشرع من أجلها الصيام {شَهْرُ رَمَضَانَ} البقرة: 185، هنا بين الله سبحانه وتعالى بشكل دقيق وقت الصوم.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، هنا بيّن وجوب الصوم، -لكن- متى لم يُبين.

 

ثم الآية الأخرى {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} البقرة: 184، لم يحدد أيضاً قال: أيام معدودات، كم ومتى لم تحدد.

 

هذه الآية حددت الوقت والعدد {شَهْرُ رَمَضَانَ} البقرة: 185، الصيام الواجب هو في شهر رمضان، لا يجوز أن يُستبدل به غيره؛ واحد يقول: أنا أصوم شعبان لا يكون ذلك، لابد أن يكون في شهر رمضان، والشهر إما تسع وعشرون يوماً، وإما ثلاثون يوماً؛ لا يزيد على ذلك ولا ينقص.

 

فإذن الصوم الواجب هو في شهر رمضان، لا قبل ذلك يجب ولا بعده؛ قد يجوز من باب الاستحباب في شعبان، وقد يحرم إذا كان في يوم العيد {شَهْرُ رَمَضَانَ} البقرة: 185، إذن هنا حدد.

 

هنا الله سبحانه وتعالى أراد يبين أهمية اختيار الوقت، لماذا اختير الصيام في شهر رمضان؟ لماذا لم يكن في شعبان، في رجب، في صفر، في ربيع؟ لماذا؟

 

يقول شهر رمضان له ميزة دون الشهور، له فضية دون الشهور: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} البقرة: 185، حينما أُنزل القرآن في شهر رمضان، شهر رمضان له فضيلة؛ لكن حينما أُنزل القرآن وهو أعظم كتاب مقدس، وهو أفضل موجود؛ حينما أُنزل في شهر رمضان، عندنا في الروايات القرآن منزل من قِبل الله، روايات أنه لا خالق ولا مخلوق.

 

هو أفضل كتاب أُنزل، وأعظم تشريع شُرع، وبه سعادة البشرية وصلاح الكون أجمع؛ كان لهذا الشهر فضيلة بأضعاف أضعاف وأضعاف أضعاف مضاعفة، هذا أحد أهداف أو فلسفة أو أهمية اختيار شهر رمضان للصيام دون الشهور الأخرى: {الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} البقرة: 185، هذا القرآن لماذا الصيام أفضل؟  بالتقوى، بالتقوى لماذا؟

 

حتى نهتدي الطريق، المتقي هو الذي يهتدي الطريق {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت: 69، «إنما هي نفسي أروضها بالتقوى» ترويض النفس، جهاد النفس، يبلغها التقوى.

 

هذا الذي يُجاهد لترويض نفسه بالتقوى يهتدي السبل التي تودي إلى جنان الله ورضوانه؛ فبالتالي {الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} لكل الناس، كل مَنْ يريد أن يهتدي طريق الهدى هو القرآن {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى} البقرة: 185، هذا أيضاً القرآن في تفصيل أدلة واضحة.

 

{وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى} تفاصيل في الأمور الاجتماعية، الأمور السياسية، الأمور الاقتصادية، الأمور النفسية، تفاصيل من الهدى؛ ليس فقط في الخطوط العريضة، بل تفاصيل الطريق {وَالْفُرْقَانِ} البقرة: 185، يُميز بين الحق والباطل، يَفرق بين الحق والباطل؛ القرآن.

 

عندما تكون عندك نظرية، تريد تعرف نظرية حق أو باطلة؛ عقيدة حق أو باطل، فكرة حق أو باطل، اعرضها على القرآن؛ حتى الروايات أهل البيت سلام الله عليهم «إذا جاءكم عنّي حديثاً فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط» (التبيان: ج: 1 ص: 5)، «فهو زخرف» (الوسائل: الباب: 9، ح: 14) في رواية أخرى؛ يعني بالتالي كل الكلام يُعرض على كتاب الله، ما يوافقه نأخذه، وما يخالفه نرفضه؛ ولهذا فرقان: يفرق بين الحق والباطل، هل هذا حق أم هو باطل.

 

{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185، هذا تأكيد للتكليف، يُبين تفصيل في التكليف، يقول: {فَمَن شَهِدَ} يعني مَنْ حضر، الصوم إذن يجب على الإنسان الحاضر {فَلْيَصُمْهُ}.

 

{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ} البقرة: 185، يعني المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} وقلنا فيما مضى المؤمن هو الإنسان العاقل وما شابه من بقية الأمور التي تودي إلى التكليف.

 

{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ} يعني مَنْ كان هو محلاً لتكاليف السماء، يجب عليه إذا كان حاضراً أن يصوم الشهر {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185، أنا لهنا أقف، بعد قليل لأكملها، عندي كلام بعدها نأتي لأمر آخر:

 

1- {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 185، تأكيد للآية السابقة ذُكرت، هذا ليس تأكيداً من دون فائدة؛ وسآتي إن شاء الله في البحث القادم أبين الفائدة، أيضاً هذا تكرار للتأكيد ولفلسفة أخرى:

 

أ. مَنْ كان مريضاً لا يجب عليه الصوم.

 

ب. مَنْ كان على سفر، ليس مَنْ يريد يسافر، لا؛ بل بدأ، حينما قال {عَلَى سَفَرٍ} يعني هنا أخذ خطوات السفر، تجاوز حدود الترخص؛ هذا المريض والمسافر لا يجب عليهما الصوم، بل يجب عليهما القضاء {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} بعدد الأيام التي يفطر فيها بسبب مرضه أو سفره يجب عليهما أن يقضياها.

 

فهنا أيضاً {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 185، يعني بدلاً، فلا يجوز له الصوم، ليس يعني على كيفه؛ المريض يَحرم عليه الصوم، المسافر يَحرم عليه الصوم؛ يعني ليس بالخيار يصوم أو لا يصوم، يقول: أنا مسافر وأتمكن من الصيام لا داعي! أصوم، أنا لا أريد أفطر!

 

يقول له: لا، يجب عليك الإفطار، وبالتالي يجب عليك القضاء؛ لا يوجد تكليفين عندنا، وإنما تكليف إضافة حينما قال {فَعِدَّةٌ} هذا إذن ليس موجهاً له التكليف {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 185.

 

{فَعِدَّةٌ} إذن يجب القضاء، هذه مجموعة من الأحكام؛ يعني يجب القضاء على مَنْ لم يصم أياماً من شهر رمضان: سواء بسبب المرض، أو السفر، أو سبب شيء آخر بعد قليل سآتي تكملته.

 

2- {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} البقرة: 185، بالتالي هنا أيضاً دليل على وجوب القضاء: حينما يفطر الإنسان يوماً يجب على هذا الإنسان أن يقضي هذا اليوم؛ إلا إذا جاء تشريع هناك رفع عنه القضاء: كالشيخ، والشيخة، ومَنْ به العطاش كما مر.

 

الآية فيها رؤى -عديدة- طبعاً، وهذا شرح سريع، وهو مهم البحث عن القرآن إن شاء الله نبحث عنه أيضاً؛ لكن أنا أريد آتي {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة: 185، هذا بحث ويحتاج من الفقهاء أيضاً أن يعيدون النظر انطلاقاً من هذه الآية، وانطلاقاً من آيات أخرى، مع وجود آيات أخرى أيضاً.

 

3- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} البقرة: 189، الهلال حتى يُحدد وقتاً أو مكاناً {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} مواقيت: وقت هذا الهلال {لِلنَّاسِ} لكل الناس، لا الناس يكونوا قسمين، بل لكل الناس؛ يعني عيداً لكل الناس، ليس جماعة تُعّيد وجماعة صائمة! وفي آيات أخرى أيضاً تحدث الله سبحانه وتعالى الشمس والقمر من أجل ماذا؟

 

{لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} يونس: 5، حتى نعرف كم سنة، ونحسب الأيام، ونحسب الشهور {حُسْبَاناً} الأنعام: 96، حتى نحسب.

 

الصوم إذن وجوبه مربوطٌ بشهر رمضان {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة: 185، شهور، أمر تكويني، غير قابل للاجتهاد؛ وإنما هو موضوع خارجي، متى ما تحقق يشمله الحكم، يعني ماذا؟ يعني أضرب مثالاً لكي نُبين كيف هذا الموضوع؟

 

حينما يَبلغ الإنسان هنا يكلف، الشرع يأتي يُحدد علامات للبلوغ؛ قال: مثلاً مَنْ أكمل بالنسبة للذكر الخامسة عشرة ودخل السادسة عشرة، هنا موضوع؛ تارة هذا الولد دُوِّن اسمه من أمه وأبيه في اليوم الفلاني، ولد والتاريخ الفلاني ولم يأتي هذا التاريخ وأكمل خمسة عشر ودخل السادسة عشر في هذا اليوم صار مكلفاً، هذا لم يبلغ قبل هذا العام بسبب العلامات الأخرى؛ هذا موضوع يُشخص، مِنْ خلال موضوع خارجي.

 

الأب والأم بالإمكان عبر ورقة من المستشفى التي ولدت -الأم- فيه، لو الأب نسى؛ لكن في المستشفى مدون، وهو موقع عليها، يذهب يراجع يثبتون إليه ويبينون، ويطمئن ويعلم أن هذه ليس فيه خربطة، ليس مستشفى فيه الأعيب؛ لكن إذا مستشفى فيه ألاعيب وأخطاء لا يعتمد عليه، لكن حينما تكون مدونة وما شابه؛ خلاص تشخص الموضوع، لا نحتاج إلى اختلاف هل بلغ أو لم يبلغ، ثبت ما دام الأب والأم لا يدروا، وغفلوا ونسوا يذهب للمستشفى ويطلّع وما شابه.

 

تارة يكون تقديم وتأخير هذا لا يعتمد عليه، قد يكون تقدّم التاريخ متعمداً، أو أخر الولادة متعمداً!

 

أنا أتكلم أن هذا ولد في هذا اليوم والشهر، يَثبت مِنْ خلال منازل الهلال، حتى ولو لم يراه أحداً؛ شهور تَثبت كحالة فلكيةٍ، رآه الناس أو لم يروه، الهلال الشهر يدخل.

 

يعني حينما {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} يونس: 5، الهلال كل يومين وهذا المقدار ساعة في مكانة، أنثى عشر منزلة، مِنْ ضمنها المحاق، هذه المنازل يومين وساعات؛ أنت تلاحظ الهلال أول أن يظهر من الشهر، يأخذه له يومين وساعات في مكان، ثم ينتقل؛ هذه لها أسماء: أبراج، يوجد برج العقرب وما شابه؛ القمر في العقرب كل شهرين يومين وساعات في برج العقرب، هذا أيضاً موجود، هذه حالة تكوينية.

 

يعني مثلاً حينما يقول -الشرع-: يكره التزويج والقمر في برج العقرب، لأن هذه الحالة التكوينية لها انعكاس على النفس، حتى إذا ثبتوه في التاريخ اليوم لكن هو خاطئ، وأحد فلكي يعلم أن القمر الآن في برج العقرب، لكن التقويم أو الناس ليس مثبتاً فهل يقول: ليس مكروهاً؟

 

عليه مكروه، ذاك الذي لا يعلم يأخذ بالظاهر، لكن هذا مكروه عليه؛ يريد يدخل ليدخل ليس حراماً، يريد يتزوج ليتزوج ليس حراماً؛ لكن مكروه لأن مربوطاً بحالة تكوينية.

 

{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة: 185، يعني مَنْ كان حاضراً، حينما شهر رمضان دخل كان حاضراً، يثبت: بالشهود، يثبت برؤية الشهر، يثبت بالفلك عندما يكون علماً، الفلك تارة ليس علماً، وتارة علماً؛ وهذه -النقطة- الفقهاء لابد يعيدون النظر فيها، أما حينما يقولون ويعتمدون على رواية: «صُم لرؤيته، وأفطر لرؤيته» يعني لا يجوز الصوم إذا لم تره، ولا يجب الصوم إذا لم تراه، بل صم للرؤية وأفطر للرؤية على أساس، ليس بالتخرصات، وليس بالظنون؛ وإنما الرؤية طريق.

 

ولذلك الفقهاء لا يقتصروا ويقولون شهر رمضان فقط بالرؤية، لا يقولوا يُقتصر على الرؤية، وإن كان قد يكون الباعث هو الرؤية؛ صم للرؤية، لا يوجد دلالة بأنه لا يجوز لك أن تصوم من دون الرؤية، لا يوجد أصلاً أي دلالة؛ فبالتالي المعيار أن تصوم في شهر رمضان، فمتى ما علمت علماً، المعيار هو العلم.

 

متى ما علمت أن الشهر دخل خلاص، بمجرد ولادة الهلال حينما يُولد، هنالك لا زال، ينتهي النهار الذي فيه ويبدأ الشهر الجديد، هذا خلاص؛ هو لا يبدأ منذ اللحظة الأول في الولادة، -مثلاً- يولد الساعة الثانية عصراً، يقول قطعنا الشهر! لا.

 

الشهر تسعة وعشرون يوماً أو ثلاثون يوماً، يبدأ على حسب اختلاف الفقهاء وذاك بحث آخر: فإما من الغروب، وإما من الفجر، إذا صار عندنا علماً بولادة الهلال، هذه الأمور لا نحتاج لها، هذه الاختلافات وما شابه.

 

ومع ذلك أن هذا بحث ويحتاج إعادة النظر فيه مِنْ خلال آيات القرآن التي أكدت أن حركة الهلال: بمعرفة عدد السنين والحساب، فنحن حينما نعرف حركة الهلال ومنازل الهلال، وولادة الهلال؛ نستطيع مِنْ خلالها معرفة متى بدأ شهر رمضان، مِنْ خلال حركة الهلال.

 

سابقاً إمكانية الناس رؤية البصر، حددوا الرؤية، اليوم لا؛ ولكن مع ذلك نحن نأتي نلحظ عشرات بل مئات يشهدون لرؤية الهلال، بمعنى آخر في عرف الفقهاء متواتر، يقولون: خبر المتواتر: يعني لا يمكن أن يجتمعون على الكذب، هذا يأخذون به؛ خبر المتواتر.

 

يعني جماعة في الأحساء، وجماعة في القطيف، جماعة في البحرين، جماعة في العراق، جماعة في الكويت، جماعة في كذا مكان؛ كلهم يقولون: رأينا، جماعة كثير: عشرون شخصاً في الأحساء، عشرة من القطيف، خمسة وعشرون شخصاً في البحرين، خمسة عشر في الكويت، وما شابه في لبنان، ومن هذا القبيل، وبعدها لا يثبت! هذا من أين؟

 

ليس موجوداً عندنا في الشرع هذه الطرق التي كانوا يحددون بها -هؤلاء- أقول: بالرؤية -رأوا الهلال- أنا لا أتكلم عن الفلك الآن؛ أتكلم بالرؤية.

 

والحال أن الروايات: اثنان من العدول يكفي، ولا يحق للحاكم أن يُجبر الشاهد على بيان تفاصيل رؤيته للهلال.

 

يعني لو يأتي شاهد يقول أنا لرأيت الهلال، وذهب، وهو إنسان عادل، ثاني قال رأيت الهلال وذهب؛ يجب على مَنْ سمع منهما ويعرف عدالتهما أن يأخذ بقولهما، يصوم ببدء رمضان ويفطر لشوال؛ لا يحتاج إلى الشيخ، أو سيد، أو آية الله، لا أدري أين يأتي يحكم!

 

أفترض الآن وآتي بباب المثال: لحكمٍ شرعي، وهذا موجود في الرسائل العملية، يعني لو اثنين جاءوا لجماعة يصلون معنا، نفترض؛ ورأوهم الجماعة ويعرفونهم عدولاً، لا يعرفون منهم الكذب وما شابه؛ حضوره لصلاة الجماعة يكفي لإثبات عدالته، إلا إذا علم بشيء يخل بها.

 

يعني هذا إنسان يصلي جماعة لا يَعرف تفاصيل أبداً، وجوده في صلاة الجماعة هذه يكفي لأن تشهد أنه عادل، يكفي؛ في الروايات يكفي حضوره صلاة الجماعة -لإثبات عداته-، نعم إذا أعرف أن عنده من هنا وهناك ذاك جانب آخر، صار عندي علم بعدم عدالته؛ لكن هذا عادل أو غير عادل، أراه يحضر الجماعة، أقول نعم عادل، ويحضر الجماعة؛ جماعة أو اثنين يصلون معنا، نفترض بالتالي المعيار عدول؛ لكن أقول على أساس أن تكون الأمور واضحة.

 

اثنان يأتون ويصلون معنا عدول، اثنان يصلون معنا وذهبوا ورأوا الهلال؛ لو جاؤوا هنا وقفوا، أو من الخارج رأوا الهلال، أتوا هنا للمصلين، قال واحد منهم: يا جماعة؛ أنا رأيت الهلال، الثاني قال: رأيت الهلال؛ وجب على مَنْ سمع منهم هذا الكلام أن يصوم لشهر رمضان، ويفطر لشوال؛ حتى لو الحاكم ردّ شهادتهم؛ كل الرسائل العملية افتحوها! لكن أين واقعنا؟ ليس موجوداً!

 

لهذا تكون بلبلة، يعني ليس إشكال في الدين، الإشكال في تطبيقنا! الدين يسر، يعني انظروا بأي مقدار سهلة القضية: "حتى لو الحاكم يقولون: ردَّ شهادتنا" ما داموا عدولاً، أنت ملزماً، واجب عليك تأخذ بقولهم: تصوم لرمضان، وتفطر لشوال؛ لكن تعالوا لاحظوا واقعنا الخلل فيمَنْ؟

 

الخلل فينا: العلماء الذين يُعقدون الدين، والمجتمع الذي يُريد التعقيد، لا يُريد التيسير؛ والحال أن الدين يُسر، والذي يُيسر عليه إشكال الآن!

 

إذا مرجع يأتي ويعطي أحكاماً ميسرة هذا ليس مرجعاً! هذه الناس! عالم يُيسر، ليس من جيبه؛ عالم بما يَسيره الله، حكم شرعي مُيسر عند الله، -الناس منطقهم- هذا ليس عالماً! هذا ليس كذا! الإشكال في الناس أيضاً؛ كما في العالِم الذي يُشدد على الناس بما لم يُشدد الله عليهم، والإشكال في الناس الذين يُريدون التشديد، ويريدون التعسير على أنفسهم!

 

والقرآن لطيف: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة: 185، شهر دخل انتهى، اثنان عدول موجود.

 

ولعلمكم لا يوجد ولا رواية واحدة: أن الرسول أو الإمام سأل شاهداً عن تفاصيل الرؤية التي يسألون عنها -الآن-، ولا رواية! لاحظ معنى "ولا رواية" يعني هذه الأسئلة مِنْ أين أتوا بها؟ مَنْ أخترعها؟

 

ليس الإمام، لا يوجد! مِنْ عندنا نحن اخترعناها؛ سواء اخترعها فقيهاً، معمماً، مرجعاً؛ أو اخترعها وكلاء، ثم صاروا مراجعاً؛ بالتالي مِنْ اختراع الناس! فبالتالي بما شددنا على أنفسنا، شدد الله علينا.

 

الله قال: أذبحوا بقرة لبني إسرائيل، سألوا التفاصيل، قال لهم التفاصيل؛ سألوا تفاصيل أخرى، أتى لهم بتفاصيل أخرى، تضيقت عليهم؛ لو أنهم ذهبوا وذبحوا أي بقرة لانتهت القضية، وانتهى التكليف؛ وقت أن لجلجلوا ويسالون مرة ثانية، ومرة ثالثة، لم يوجد إلا بقرة واحدة، بهذه المواصفات.

 

الله قال هذه لكي يتعلمون {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} المائدة: 101، الله يقول، قلنا لكم لا تسألوا عن أشياء، وهذا الموجود؛ وهذه الآية نزلت في مثل هذا المورد، أرادوا أن يسألوا الرسول، قال: لا تسأل، وفي الصوم أيضاً؛ حينما نزلت آية الصوم، واحد سأل الرسول كل يوم نصوم؟

 

الرسول لم يعطه جواباً، مرة ثانية أيضاً لم يعطه جواباً، مرة ثالثة قال له: اسكت، إذا أنا أجبتك مثلاً كل يوم، ألا يكون ونشدد عليكم! خلاص.

 

فيوجد أمور في الدين يُسر، الله سبحانه وتعالى لم يجعل الدين عسراً؛ الآن إرباك، "ثبت أو لم يثبت" وما شابه.

 

إذا لم يثبت الهلال -الفطر- لم يثبت نذهب ننام ونصوم، فيما بعد تبين خطأنا نأتي نفطر ولا يوجد إشكالاً شرعياً، لا يحتاج ربكة، وما شابه من هذه الأمور؛ هذه كلها منا نحن!

 

هذا الحكم {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185، المعيار دخول شهر رمضان، كما أن المعيار للإفطار خروج شهر رمضان، متى ما خرج أرتفع تكليف الصوم؛ بل عندي تكليف آخر حرمة: صوم باعتبار الأدلة التي في العيد.

 

نحن مع الأسف نشدد على أنفسنا، ونخترع من أنفسنا أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان؛ بالتالي تنعكس علينا شقاءً، فرقةً، وأزمات، وكره للدين، وكره للصلاة، وكره للصوم؛ والسبب نحن وليس التشريع! حتى لو كان عالماً؛ لكن ليس التشريع، ليس الله؛ لا إنساناً يأتي يضعها في الدين، عالماً ذاك تتجاوزه، الله هناك؛ الإشكال فيَّ.

 

نسأل الله أن يوفقنا لمراضيه، وجنبنا معاصيه؛ وإن شاء الله نحن في الغد نبين {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، وييسر علينا، ولا يحمل علينا إصراً كما حمله على الذين من قبلنا: بسبب سوء التصرف؛ إنه سميع الدعاء.

 

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 


تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
مراسيم تشييع والد الشيخ النمر 114
صوتيات
بحوث العقل: (056) تشغيل بحوث العقل: (056)
ضرورة معرفة الواقع تشغيل ضرورة معرفة الواقع
كلمة الشيخ عبد الله النمر (الأحساء) بعد صدور حكم الإعدام ضد آية الله النمر تشغيل كلمة الشيخ عبد الله النمر (الأحساء) بعد صدور حكم الإعدام ضد آية الله النمر
الحجرات: آيـ(1-5)ــة: علاقة المجتمع الإيماني وقيادته تشغيل الحجرات: آيـ(1-5)ــة: علاقة المجتمع الإيماني وقيادته
1) الحرية السياسية (2) . 2) بصائر قرآنية حول السياسة . تشغيل 1) الحرية السياسية (2) . 2) بصائر قرآنية حول السياسة .
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 8
زوار الموقع 8421189