شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / كلمات المناسبات الإسلامية: الوفيات
(9/د): الدعاء منطلق للتصحيح
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر : مشروع (مداد العلماء) | 2014-11-20| Hits [9375]


 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وأشرف الخلق أجمعين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر: 60.

 

وقال سبحانه وتعالى {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} الفرقان: 77، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

وجاء في الحديث «الدعاء سلاح المؤمن» «والدعاء مخ العبادة» و «الدعاء نور السماوات والأرض» بل جاء «الدعاء عمود الدين» صدق أهل بيت النبوة سلام الله عليهم أجمعين.

 

أرتبط اسم الإمام زين العابدين عليه السلام بالدعاء، حيث الصحيفة السجادية زبور آل محمد، وزبور داوود كان الدعاء؛ وبه بنى نبي الله سليمان الحضارة التي لم يصل إليها البشرية، وزبور آل محمد هو الدعاء وبه نتمكن من بناء الحضارة الإنسانية.

 

في مثل هذه الليلة نتوقف وقفة قصيرة لكي نفهم حقيقة معاني الدعاء وأبعاد الدعاء، أرتبط بمفهوم الناس أن الدعاء عبارة عن حالة روحانية فقط تربط الإنسان بينه وبين ربه لتهذيب السلوك والأخلاق ليس إلا.

 

هذا بُعد واحد أرتبط مفهوم الناس به، لا يفهم الناس من الدعاء إلا هذا المعنى: حالة روحانية، حالة اعتراف، حالة إقرار بين الإنسان وربه، وهذا معنى من المعاني لا يُنكر؛ بل هو من أمهات المعاني.

 

لكن الدعاء لم يكن ذا بُعد واحد، وهذا بُعد من الأبعاد في الواقع الدعاء هو سلاح المؤمن، هو سلاح الأخير الذي لا يمكن لأي قوة وجدت على هذه الأرض أن تلغيه، ولذلك نقرأ في دعاء كميل «يا سريع الرضا، اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء» ثم فيما بعد «وأرحم من سلاحه البكاء» لاحظوا فقرة السلاح والبكاء، فالبكاء مرتبط مع الدعاء؛ يوجد مد بين حالة الدعاء وما بين حالة سيل الدموع والبكاء.

 

وهو السلاح الذي حملته فاطمة الزهراء سلام الله عليها لتثبيت ولاية أمير المؤمنين، وللدفاع عن قيم السماء؛ وهو ذات السلاح الذي حمله الإمام الحسين لإعلان مظلوميته، ومظلومية أهل بيته ولنشر ثقافته وثقافة رسالة السماء من خلال الدعاء والبكاء، من خلال تلك الدموع.

 

ومن خلال تلك الأدعية وصل إلينا النبع الصافي من فكر أهل البيت، بذلك الدعاء الذي لم يتمكن الطغاة ولم تتمكن أي قوة من كسره ولا إلغائه.

 

فالإمام حينما ارتبط بالدعاء ارتبط بسلاح فاعل ناجع، هنالك حينما كانت الظروف، وحينما كانت الأجواء لا تسمح بالكلمة الصادقة، حينما كان هناك الإرهاب السياسي يُقتل ويُذبح، حينما كان هناك الإرهاب الفكري يُخرج الإنسان من الدين ويفسق ويكفر، حينما كان هناك الإرهاب الاجتماعي الذي يحاصر الإنسان ويعزله، حينما كان هناك الإرهاب بجميع أشكاله كان الدعاء هو السلاح الناجع وهو السلاح الفاعل.

 

فالإمام في تلك الظروف الموبوءة، في تلك الظروف الإرهابية لم يتخلى عن رسالته، لم ينعزل، لم يترهبن، لم يبتعد عن الناس؛ إنما مارس تبليغ رسالة السماء من خلال الدعاء.

 

وإن شاء الله فيما بعد سنبين أبعاد الدعاء، وبإمكاننا أن نتعرف على تلك الأبعاد من خلال الأدعية التي نقرأها؛ لأن الدعاء ركيزة أساسية وهامة في الفكر الإسلامي، بل تشريعات كثيرة ممكن أن نستوحيها من الدعاء، بل إن القرآن الكريم في أغلبه آياته دعاء في جميع المجالات: تحميد، وذكر، ودعاء؛ بل أهم سورة في كتاب الله وهي سورة الفاتحة كلها دعاء، وأهم آية وهي البسملة هي دعاء: {بِسْمِ اللهِ} الفاتحة: 1، يعني: استعين بالله، ابدأ بقدرة الله، برحمة الله.

 

وسورة الفاتحة هي دعاء علمه الله وأدب فيه عباده في كيفية مخاطبته، القرآن هو خطاب الله النازل إلينا، والدعاء هو خطابنا إلى الله، والخطاب يحتاج إلى صياغة، يحتاج إلى أدب؛ أنت حينما تريد أن تلقي خطاباً على جمع, أو حينما تريد أن تخاطب مسؤولاً، أو حينما تريد أن تلقي خطاباً في مناسبة ما؛ هنالك تجتمع مجموعة من الخبراء، ومجموعة من الأدباء، ومجموعة من الباحثين لكي يصيغوه إلى هذا الرئيس، أو لهذا المسؤول، أو لهذا الوزير خطابه لكي يتناسب الخطاب وآداب الخطاب والمخاطبة فيما يتناسب مع المخاطب: سواء كان جمهوراً أو كان مسؤولاً الخطاب يحتاج إلى صياغة، يحتاج إلى آداب؛ فالدعاء هو الخطاب الذي نخاطب به الله سبحانه وتعالى.

 

الإمام زين العابدين يعلمنا كيف نخاطب ربنا بأدب، كيف نخاطب ربنا بما تجيش به نفوسنا؛ قد يعجز اللسان عن التعبير في مخاطبه ربه، يعجز اللسان.

 

الإنسان تزيد في داخل صدره أفكار ومتطلبات وهموم وما شابه، فيعجز عن التصريح بها، أو عن كيفية طرحها بشكل لائق لمكانة المخاطب؛ ولذلك يتوقف الإنسان في مخاطبة ربه، يأتي الإمام زين العابدين ليؤدب مجموعة من الخطابات في جميع المجالات، في جميع الحالات كيف نخاطب الرب: في متغيرات الظروف، في متقلبات الزمان، مع وجود حدث ما، في حالة طارئة، في حالات متعددة ومتفرقة.

 

فيبين لنا الإمام كيف نخاطب ربنا: في حالة غروب الشمس، في حالة شروقها، في حالة استهلال الهلال، في حالة قدوم رمضان، في حالة الرعد، في حالة البرق، في حالة العواصف، في حالة دعاء للآخرين، في حالة التحميد والتجميد لله، في حالة الصلاة على بيت رسول الله، في حالة ذكر آدم نبي الله، وفي حالات متعددة ومتفرقة يمكن أن يقرأ الإنسان عناوين الصحيفة السجادية ليرى الحالات المتعددة والمتفرقة في كيفية مخاطبة العبد ربه.

 

كيف يخاطب العبد ربه في مثل تلك الحالة: بعد الصلاة، قبل الصلاة، في كل يوم، أدعية الأيام، أدعية الأسبوع، أدعية بعد الصلوات، أدعية في جميع الحالات؛ لا يوجد حالة، لا يوجد ظرف، لا يوجد شيء إلا ويخصه بدعاء.

 

يعني مِنْ أول أن تفتح عينيك صباحاً وتستيقظ لترى هذا البصيص من الحالة تبدأ هناك بدعاء، إلى آخر لحظة تريد أن تغمض عينيك هناك دعاء، وما بينهما مجموعة من الأدعية في كل الحالات: في السفر، في الحضر، في بدء السفر، في نهاية السفر, في بدء الحضر، في حالة القدوم، في حالة توديع صديق، في حالة استقبال صديق، في المجالات العبادات كلها، الصلاة هي دعاء، أنت تلتقي مع الله، عبادتك مع الله، كيف تقترب إلى الله، هذه حالة دعاء كل الصلاة.

 

الصلاة معناها دعاء، لا تعني الصلاة إلا الدعاء، و «الصلاة عمود الدين» ولهذا يكون «الدعاء عمود الدين» ولهذا يمكن للإنسان أن يرتقي عن طريق الدعاء {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} البقرة: 153، يعني استعينوا بالدعاء، الصلاة يعني الدعاء {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ} البقرة: 153، يعني الصوم؛ استعينوا بالصوم، جزء مِنْ الصبر هو الصوم؛ والصلاة هي الدعاء، لا تعني إلا الدعاء.

 

سورة الفاتحة التي «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» هي دعاء، وأنت حينما تمجد ربك: بالتحميد، والتهليل، والتسبيح هذا دعاء، حينما تستغفر هذا دعاء؛ في ركوعك تدعو، في سجودك تدعو، بينهما تدعو؛ في قيامك تدعو، في هَويّك تدعو، في وقوفك تدعو، في جلوسك تدعو، كل حالات الصلاة هي دعاء؛ وهي أفضل العبادة «إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواه».

 

لذلك الإمام أتخذ سلاح الدعاء لكي يبين مجموعة من الأبعاد، لكي يبث الثقافة الرسالية، لكي يرسخ العقيدة، لكي يبين الموقف؛ لأن الدعاء في الواقع منهج شامل لجميع أبعاد الحياة، الدعاء منهج شامل لجميع الأبعاد لا يقتصر الدعاء على تهذيب النفس، وتهذيب السلوك، وتطهير الروح؛ لا، هذا بُعد وبُعد رئيسي، ولكن لا يقتصر على ذلك.

 

للدعاء أهداف وأبعاد لو أردنا أن نقرأ الصحيفة السجادية نلاحظ مجموعة من الأبعاد وإن شاء الله بعض المقتطفات نتحدث عنها، نتحدث عن الأبعاد وبعضها نستشهد بها من خلال الصحيفة السجادة ومن آيات القرآن.

 

نلاحظ من الأهداف الرئيسية للدعاء هو ترسيخ العقيدة وتصحيحها، تصحيح العقيدة واقتلاع الشوائب وترسيخها، كثير من الأدعية نلاحظ قضية تثبيت توحيد الله، هناك حكم الأموي أراد أن يقتلع الدين: "لا خبر جاء ولا وحي نزل!" هذا كان شعاره "لا خبر جاء ولا وحي نزل!" أي: قضية التوحيد كلها كذب في كذب!

 

في عرف يزيد قضية كانت هناك مؤامرة لإعادة الأصنام وإلغاء الحالة التوحيدية، لهذا من خلال هذه الأدعية ثبت التوحيد «عجزت العقول عن كنه معرفته» في وسط الدعاء هنا يبين أن العقول عاجزة، يبين عن صفات الله، عن توحيد الله، عن تمجيد الله، عن حمد الله، يُبين عن قدرة الله: «أنت الخالق وأنا المخلوق، أنت المعطي وأنا السائل، أنت المغيث وأنا المستغيث، أنت العزيز وأنا الذليل».

 

لاحظوا يقارن بين الإنسان وربه، تبيين عظمة الله وحقارة الإنسان في قِبال الله، وهكذا في الحمد لله وما شابه؛ حينما ترتبط بأدعية أقروا المناجاة، أقروا أدعية الأسبوع، أدعية الأيام التي نقرأها في كل يوم أقرؤوها.

 

لا يخلو دعاء إلا وفيه ترسيخ للعقيدة، وتوضيح لحقيقة العقيدة؛ مَنْ أراد أن يعرف عقيدته عليه بقراءة الدعاء، كل الأدعية على الإطلاق تتحدث عن عقيدة، حينما تقول فاطمة الزهراء سلام الله عليها «بسم الله النور، بسم الله نور النور، بسم الله نور على نور» لاحظوا مقاطع صغيرة لكن تعبر عن عقيدة، هذا دعاء فاطمة الزهراء سلام الله عليها.

 

الإمام زين العابدين حينما يبدأ بتمجيد الله وتحميده، وبيان صفات الرب، وصفات الخالق وما شابه؛ هذا تثبيت للعقيدة في مسألة التوحيد، وهكذا بقية العقائد، الشفاعة دائماً تلاحظون في طيات الدعاء ارتباطنا بشفاعة الرسول وأهل بيته، نستشفع لكي لا يكون هناك تشكيك، نرتبط بهم من خلالها.

 

هنالك أفكار مسمومة، هناك إرهاب فكري لإلغاء الشفاعة، قطع الناس عن ارتباطهم بأهل البيت؛ الحكم الأموي لم يكن يريد يربط البشرية بأهل البيت، يريد يجعل فاصلاً، وتنفصل الأمة الإسلامية عن بيت الرسول: عن رسول الله وأهل بيته.

 

هنالك من خلال الأدعية نلاحظ كثير ما يؤكد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى علاقتنا بأهل البيت، وعلى علاقتنا بالشفاعة بهم، وحاجتنا إليهم وما شابه؛ هذه مسائل ترتبط بالعقيدة، مسائل الدعاء ترتبط بالبعث، ترتبط بيوم القيامة، ترتبط بعجز الإنسان في مقاومة أهوال يوم القيامة، واللجوء إلى الله مِنْ أجل المغفرة في ذلك اليوم، تثبيت العقيدة: توحيد, عدالة إلهية، نبوة، ولاية، ميعاد، هذا كله نلاحظه في كتاب الدعاء.

 

أقرؤوا الصحيفة السجادية تلاحظونها مليئة بتلك المعتقدات الخمسة وما يتفرع منها: من عصمة، من شفاعة، وما إلى ذلك؛ هذا جانب مِنْ جوانب الأبعاد الرئيسية للدعاء: تصحيح العقيدة، اقتلاع الشائب منها وشوائبها، الأفكار الجاهلية التي تبث فيها، ترسيخ حالة العقيدة، ترسيخ حالة الإيمان كل ذلك من خلال الدعاء.

 

* أبعاد الدعاء:

 

البعد الأول: هناك هجمة شرسة مِنْ أجل تضعيف الإيمان، مِنْ أجل تفتيت العقيدة، الآن في عصرنا الحاضر المعاصر نحن بحاجة أن نرتبط بالدعاء لترسيخ عقيدتنا؛ بل الدعاء هو المنقذ أمام تلك الهجمة الثقافية الشرسة، إذا أرادنا أن نتخلص من تلك الهجمة لابد أن نقرأ الدعاء، أتعلمون لماذا؟

 

لأن مشكلة الإنسان حالة الاستكبار، حالة الاستكبار تكون في حالة غفلة، لا يمكن أن يصحح أفكار, في حالة الدعاء يكون الإنسان في حالة انكسار وخضوع؛ لأن في هذه الحالة الإنسان عنده استعداد للتصحيح، لأن الاستكبار هو المانع {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} المائدة: 79، حالة استكبار تمنع ولهذا بحاجة إلى الدعاء.

 

الدعاء هو المقابل للاستكبار، ولهذا في الآية التي توجت بها الحديث: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} غافر: 60، في مقابل الدعاء ماذا؟

 

استكبار {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} غافر: 60، ذلك الإنسان الذي لا يدعو ربه هذا يعيش حالة استكبار، لأن الدعاء يعني الخضوع لله سبحانه وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر: 60، لاحظ تعبير القرآن تهديد صارخ، إذا الإنسان تكبر عن الدعاء، لماذا؟

 

لأن من خلال الدعاء يصحح الإنسان مفاهيمه، هذا بُعد من أبعاد الدعاء.

 

البعد الثاني: علاقات اجتماعية: تصحيح مسار العلاقات الاجتماعية من باب المثال أنت في يوم الاثنين تقرأ أي دعاء؟ ما هي مقاطع الدعاء؟ تسأل الله في ماذا؟

 

مظلوم ظُلم في حضرتك، إذاً تسأل الله في غيبة اغتبتها، وما شابه من تلك العلاقات الملوثة تتجاوز حدودك في علاقاتك، حينما تتجاوز حدودك في علاقاتك الاجتماعية تحتاج إلى الدعاء بتصحيحها؛ أنت هناك تقر بأنك تجاوزت حدودك، اعتديت على الآخرين.

 

الإنسان في حالة الاستكبار لا يقر، يقول: هو المخطئ وليس أنا المخطئ، هو الذي اعتدى عليّ، هو الذي ظلمني، هو، هو وما شابه!

 

إلقاء التهمة واللؤم على الطرف الآخر، أما في هذه الحالة لا، أنت تقر بتجاوزك، أنت تدعو إلى جارك، تدعو إلى قريبك، تدعو إلى مَنْ يرافقك بالسفر، تدعو بشكل جمعي «ربنا» طبعاً يوجد أدعية خاصة بالإنسان «ربي» بعض الأوقات «ربنا» أنت مستحب لك أن تدعو في صلاة الليل لأربعين مؤمن، حينما تعدد أربعين شخصاً ألا تُحسّن علاقتك مع هؤلاء؟

 

بطبيعة الحال تدعو لهذا الإنسان ينغرس حبٌ في قلبك له، وهو أيضاً بشكل مباشر ينغرس في قلبه حباً لك من دون أن يشعر ومن دون أن تشعر أنت.

 

أنت حينما تدعو إلى هذا لا ينقصك شيء، فحينما يدعو الإنسان إلى غيره هناك مَلكٌ يقول: «ولك مثل ذلك» تدعو إلى إنسان، تدعو له بشيء ملك يدعو لك: «ولك مثل ذلك» تدع له ويقول أيضاً: «ولك مثل ذلك» بل يعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف ندعو لبعضنا البعض «ادعني بلسانٍ لم تعصني به» يعني ماذا؟

 

يعني أنا أدعو لك وأنت تدعو لي، أنا لم أعصي الله بلسانك، أنت لم تعصي الله بلساني، نحن ألا نقول "نسألكم الدعاء" لماذا نقول نسألكم الدعاء؟

 

لأن هذا اللسان الذي تدعو الله به لم تعصِ به الله عني، أنا لم أعصِ الله بلسان عنك، فلهذا «ادعني بلسانٍ لم تعصني به» ولهذا نسأل بعضنا البعض الدعاء، ويستجاب دعاء المؤمن؛ بل لو يهودياً كما في الروايات دعا للمؤمن استجاب الله دعوته، أرأيتم اليهودي للمؤمن يستجاب له، لا يستجاب لليهودي في دعائه لنفسه، وإنما لو دعا للمؤمن استجاب الله دعوته.

 

والله سبحانه وتعالى حينما يدعوه يستجيب، الله سبحانه وتعالى يقول {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة: 186، هل نحن حينما ندعو القضيةُ ذهبت وضاعت؟

 

لا، ندعو الله في أكبر شيء وفي أصغر شيء، حتى ملح الطعام ندعو الله؛ نحن ندعو ربنا، الله سبحانه وتعالى إذا لم يعطنا العطية الآن، العطية موجودة، أفضل منها أضعاف مضاعفه ليوم القيامة، أو يدفع عنا بلاء كما في الروايات: إما يعطينا العطية نفسها، إما يدفع عنا بلاء أكبر منها؛ فهو بدل أن يعطينا العطية ويصيبنا البلاء، يدفع ذلك البلاء الذي هو أكبر وأخطر من العطية، لا تنفع العطية مع وجود ذلك البلاء؛ وإما أن تؤجل إلى يوم القيامة وهي أفضل بأضعاف مضاعفة «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وبعض الحالات الدعاء تتطلب سنيناً، يعني {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} مريم: 1-4، ماذا طلب -نبي الله زكريا-؟

 

طلب ولد، بعد أربعين سنة اُستجيب له، لكن أعطي الطلب بعد أربعين سنة مهاباً {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} مريم: 4، أنا كنت أريد شيئاً: أخاف الموالي من ورائي يضيعون القضية، يضيعون القيم؛ أليس بعض الأوقات {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ} مريم: 59، خاف الجماعة يُضيعون القيم، يلعبون بالقيم، فأريد ولداً يحفظ هذه القيم؛ لا يوجد شخص مؤهل من هؤلاء الموجودين، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى استجاب له في الوقت المناسب.

 

لأن بعض الأوقات الإنسان يدعو، الوقت غير مناسب وغير صالح؛ الله لا يرده، الإجابة موجودة، أنت طلبت، الله سبحانه وتعالى لا يرد أحداً أبداً من المؤمنين.

 

ولهذا نحن ندعو ونطلب الدعاء، لأن الدعاء مهم في علاقاتنا الاجتماعية، ونصحح علاقاتنا الاجتماعية، أدعو للآخر ويدعو لي الآخر؛ وندعو دعاء الجمع في بعض الأدعية الواردة، ونصحح علاقتنا الاجتماعية من خلال الدعاء، سواء من خلال الدعاء بيوم الاثنين؛ أو الدعاء للجار، أو من خلال الدعاء للمرافق بالسفر، أو من خلال الدعاء للآخرين، أو الدعاء للمؤمنين أو ما شابه.

 

ونحن ندعو لأنفسنا وللمؤمنين وللمسلمين وللجيران وللأقارب وما شابه، هذه العملية تُكوّن علاقات اجتماعيه قوية، هذا دعاء مجال لتصحيح وتقوية العلاقات الاجتماعية، هذا بُعد من أبعاد نلاحظه في طيات الأدعية.

 

البعد الثالث: هو بيان الموقف السياسي، نحن نلاحظ «وأحْتَرِزُ بِسُلْطَانِكَ مِنْ جَوْرِ السَّلاطِينِ» سلطان بني أمية، أو في مقطع آخر «جَوْرِ الْجائِرينَ ... وَبَغْيِ الظّالِمينَ» وما شابه، الإمام لم يكن يتمكن أن يُعبر عن موقفه السياسي الصريح، لكن مِنْ خلال الدعاء يُبين هذه الدولة وحاكم الدولة: هناك جور، هناك ظلم؛ نعوذ بالله ونستعين بالله من هذا الظلم، ومن هذا الجور تعبير من خلال الدعاء.

 

كان هناك إرهاب سياسي: تقتيل، وتنكيل، الإمام الحسين قُتل، المدينة انتهكت، المؤمنين قتلوا، طوردوا، شرد بهم وما شابه، هناك مطاردات سجون، وقتل وتنكيل؛ لا يمكن أن يُصرح الإنسان بموقفه السياسي من خلال الخطاب.

 

كان التصريح بصوت عالٍ من خلال الدعاء، فمن خلال الدعاء كان هذا تصريح عن التبرئة والتبرؤ من الظالمين، والتجأ إلى الله من الظالمين، «مِنْ جَوْرِ الْجائِرينَ» من «َبَغْيِ الظّالِمينَ» «مِنْ جَوْرِ السَّلاطِينِ» وما شابه؛ وهذا نلاحظه مذكوراً في كثير من الأدعية للإمام زين العابدين.

 

يعني نحن نقرأ دعاء الافتتاح نلاحظ هذا، أقروا وتأملوا في هذا الدعاء؛ في دعاء الصباح أيضاً أقروا وتأملوا، حتى في المناجاة موجودة هذه الأفكار، وهذه الرؤى السياسية: في قضايا الظلم، موقف من الظلم، الإنسان يقف في نفسه ويرفض الظلم، لا يقبل الجور، لا يقبل الظلم، يشتكي إلى الله وهو في نفسه رافضاً لهذه الحالة.

 

موقف وبيان سياسي من خلال الدعاء، الإمام حيث الإرهاب السياسي، الإرهاب الفكري، الإرهاب الأموي كان يُمنع من التصريح في الموقف السياسي.

 

بث الإمام موقفه مِنْ خلال الأدعية بالصحيفة السجادية في هذا المجال، أقروا وستلاحظون في أدعية الأيام؛ نلاحظ أيضاً المسائل، هذا بُعد آخر.

 

البعد الرابع: بيان التطلعات والأهداف السامية والحقيقية للإنسان، يعلمنا الدعاء؛ يقول الإمام: أي تطلع وأي هدف حقيقي لك: «أَوْلِنِي فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ نِعْمَتَيْنِ مِنْكَ ثِنْتَيْنِ» «اللَّهُمَّ اقْضِ لِي فِي الأَرْبِعاءِ أَرْبَعَاً» ، «اللَّهُمَّ اقْضِ لِي فِي الخَمِيسِ خَمْساً» لاحظوا هنا الأهداف أو الطلبات التي نطلبها من الله سبحانه وتعالى، هنا يوجد أهداف وتطلعات يقول أين الأهداف الحقيقية؟

 

أهدافك الحقيقية في الحياة يريد يصحح مسارنا، كل الأهداف والتطلعات التي يجب أن يتطلع لها الإنسان: هل يتطلع إلى حضيض المادة؟ إلى هوامش الحياة؟ إلى توافه الحياة؟ أم يتطلع إلى ما يسمو إليه في الشيء الدائم؟

 

لهذا الدعاء يعلمنا تطلعات، ويخلق مجموعة تبث، ماذا تطلب؟

 

أطلب هذا واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، عشرة، عشرون، مجموعة تطلعات يخلق في ذهنك إلى ماذا تتطلع؟ وماذا تريد من الحياة؟ ماذا تريد من ربك؟

 

لاحظ يوجد فارق، يأتي يُجسد أفكار ويقول لك: هذه الأمور تطلع إليها، وأطلبها مِنْ الله سبحانه وتعالى، وأسعى إليها؛ هذه تطلعات حقيقية.

 

الإنسان لا يعرف ما يتطلع إليه! لا يعرف ما هي أهدافه وأهداف خاطئة وتطلعات خاطئة وبعدها يأتي يوم القيامة كله هباءً منثوراً! حياتك كلها! لا، الإمام يأتي يقول لك: "هذه تطلعاتك، وهذه أهدافك" هذه نقرأها من خلال أدعية الصحيفة السجادية في كثير من الأماكن مبثوثة.

 

يبين الدعاء أصول الثقافة الإسلامية، مرجعية القرآن حينما نحن نلجأ إلى القرآن، نحن ماذا نقرأ في دعاء يوم السبت؟

 

نحن نقرأ دعاء يوم السبت يكون عندنا ارتباط بالقرآن، بعد الأدعية عندنا ارتباط بالله: أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر ثقافتنا، مصدر تشريعنا؛ ليس أي شخص يأتي يقول فكرة ونأخذها!

 

لا، الثقافة لابد أن تكون ثقافة ربانية، هذه من خلال الأدعية نأتي بها هذا مِنْ باب المثال؛ ثقافتنا مرتبطة بأهل البيت، أهل البيت هم مصدر ثقافتنا، هذا مِنْ خلال الأدعية: أن أنا رؤيتي، موقفي، ثقافتي، عقيدتي، مسائلتي الشريعية أقتبسها من القرآن، مِنْ أهل البيت، مِنْ الله سبحانه وتعالى؛ هذا مكتوب بالأدعية، يرسخ علاقتك بمرجعيتك الثقافية: مصدر تشريعك، مصدر ثقافتك، مصدر رؤاك، مِنْ خلال هذه الأدعية.

 

فهنا يأتي يُكوّن مجموعة مِنْ الأصول الثقافية، الأصول الفكرية في طريقة تفكيرك، ويصحح طريقة التفكير هذا موقف رئيسي يُبينه الإمام من خلال الدعاء.

 

بل الإمام سلام الله عليه يريد أن ينقلنا مِنْ حالة الظواهر إلى حالة الحقائق، نحن نرى الهلال هذا ظاهر لنا، يأتي الإمام هنا يبين ويقرأ مجموعة مِنْ كلمات في الدعاء لكي يبين هذا الشيء الظاهري، وحركة ظاهرية في الكون: حركة الهلال، حركة الشمس في الغروب، حركة الشروق، دخول رمضان، الصباح، المغرب، مساء، وما شابه.

 

هذه حركات ظاهرية يومياً نراها، أو بين فترة وأخرى نراها: حركة رعد، مطر، ليل وظلمة، أو ما شابه مِنْ تلك الحالات، هنا الحالات نراها ظاهرية؛ الإمام يأتي يقرأ مجموعة مِنْ الأدعية، مجموعة مِنْ الكلمات تعبر عن حقيقة الظاهرة، كيف نتعامل مع تلك الظاهرة؟ كيف ننتقل من ظاهرية الظاهرة إلى حقيقة تلك الظاهرة؟

 

ظاهرة كونية وحركة الظاهرة نلاحظ ظاهرها: شمس تشرق من الصبح وتغرب في المساء مثلاً، هلال أول الشهر يستهل، روية الهلال يأتي الإمام يبين ما هو هذا الهلال، حقيقة الهلال؛ يُبين عن العظمة الإلهية، لاحظوا كيف نتعامل مع الحركة الكونية، نفهم الحياة؟

 

فالإمام يأتي يبين لنا ويجعلنا ننتقل مِنْ الحالة الظاهرية إلى الحالة الحقيقية {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الروم: 7، وهذه مشكلة البشر {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الروم: 7، غير مستند على هذا، اقتصار على الظواهر والظاهرية منها، بل ينتقلوا مِنْ هذا الظاهرة إلى ما وراءها، إلى حقيقتها، إلى عمقها.

 

ولهذا الإمام يأتي يعلمنا في بعض الأدعية، يقول لنا: ترون هذه الظاهرة، حركة كونية، أو حركة يومية، أو ما شابه؛ يأتي يقول لك: هذه الظاهرة مِنْ أحد معانيها هو هذا المعنى.

 

فإذاً الدعاء حينما نرى الهلال، حينما يُرى الرعد، حينما يُرى البرق؛ ويربط هذه الحركة وهذه الظاهرة بالله سبحانه وتعالى ويثبت فيها عظمة الله، وأن الله هو المسير لها؛ ليست أمور صدفة مِنْ دون تفكير، مِنْ دون شيء! لا، يوجد هناك مدبر حكيم يدبر هذه الأمور وما شابه.

 

البعد الخامس: مهمة تعريف الإنسان بنفسه، محاور مهمة في المناجاة ونربي أنفسنا، نعرف بقلوبنا؛ يعني شخص حينما تقرأ بعض كلمات المناجاة كيف تبين حقيقة نفسه، حقيقة سيطرة الأهواء، حقيقة القلب القاسي؛ هذه الأمور لا تنساها «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ» هنا بدون معرفة الله سبحانه وتعالى كيف نعرفها؟

 

لاحظوا أساس معرفة الله لابد أن نعرفها لكي نعرف النبي «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ؛ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي» المعرفة الإلهية كيف نعرفها؟

 

بمعرفة النفس أولاً «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقد عَرَفَ ربَّه» نحن نطلب مِنْ الله يُعرفنا نفسه، الله سبحانه وتعالى يقول تريد تعرفني، أعرف نفسك أولاً؛ إذا عرفت نفسك فستعرفني، الجاهل بنفسه لا يعرف غيره، إذا إنسان جاهل بذاته كيف يعرف الآخر؟

 

لا يمكن أن يعرف ربه أو يعرف بقية المخلوقات، لهذا لابد أن يعرف نفسه، مِنْ خلال الأدعية تعرفنا بحقيقة أنفسنا كما يقول الإمام علي سلام الله عليه:

 

«أتحسب أنك جرم صغير        وفيك أنطـوى العالـم الأكبـر

داؤك مـنــــك ولا تبـصـــر        ودواؤك فيـــك ولا تـشـعــر»

 

وبالتالي يُبين، فاعرف نفسك:

 

«وأنـت الكتــاب الـمـبـين        الذي بأحرفه يُظهر المضمر»

 

أعرف نفسك؛ هنا معرفة الله، فإذا عرف نفسه عرف ربه؛ فلهذا «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقد عَرَفَ ربَّه» هنا من هذه الأدعية يعرفنا الإمام بحقيقة أنفسنا، بالخصوص في المناجاة يعرف الإنسان حقيقة نفسه: "مَنْ أنا" الذي يكون عندي غرور واستكبار وما شابه والابتعاد عن الله، وكأني أحس بغنى!

 

حينما يقول: «مَوْلايَ يا مَوْلايَ؛ أَنْتَ الْخالِقُ وَأَنَا الَْمخْلُوقُ» ومن جهة أخرى «أَنْتَ الرّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ» ، «أَنْتَ الْعَزِيزُ، وَأَنَا الذَّلِيلُ» ، «أَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ» ، «أَنْتَ الْمُغِيْثُ وَأَنَا الْمُسْتَغِيثُ» وما شابه، هذه تعريف بنفسك مَنْ أنا!

 

أو «إليْكَ أَشْكُو نَفْساً» لاحظوا «إليْكَ أَشْكُو نَفْساً» أنا آتي أعبر وأبث الهموم التي تعبر عن نواقصي، تعبر عن وضعي؛ هنا يمكن الإنسان يغفل، مِنْ خلال هذا الدعاء يعرف الإنسان حقيقة نفسه، مِنْ خلال المناجاة أو بعض الأدعية يعرف: يعرف الشيطان كيف يجري في دمه، يعرف أن في نفسه الشيطان موجود، بداخل نفسك، تعرفك؛ ألتفت الشيطان ملاصق لك كيف يجري؟ كيف تقارعه؟ هذا مِنْ خلال أدعية الصحيفة السجادية.

 

فإذن البعد الآخر تعريف النفس، حقيقة النفس، حتى مِنْ خلاله يعرف الوجود ويعرف الكون.

 

البعد السادس: مِنْ أبعاد الدعاء التي عادة الناس التي يرتبطون فيها: هي تهذيب سلوك، تزكية النفس، تطهير الروح؛ وهذا شيء طبيعي وواضح أن تعرف مِنْ خلال هذا الدعاء -كيف- تزكى وتطهر وما شابه.

 

البعد السابع: مِنْ أبعاد الدعاء الحقيقية في الواقع وهذا عظمة الدعاء، كل هذه التي ذكرناها لا تعادل هذا البعد لأن هذا البعد يُقام كل الأبعاد، وبهذا البعد نفضل الدعاء على القرآن، حتى على القرآن في الروايات عندنا: شخص يأتي المسجد يصلي، الصلاة فيها قرآن وفيها دعاء؛ يصلي صلاةً ويكون قراءته للقرآن أكثر من قراءته للدعاء، وشخص آخر قراءته للدعاء أكثر من قراءته للقرآن، أيهما الأفضل؟ نقول الذي أكثر قراءة للدعاء أكثر هو أفضل، لماذا؟

 

لأن تعرف حقيقة نفسك، الدعاء هو خطاب إلى الله، أنت تخاطب وتقر بذنوبك وتعرف أكثر؛ هناك خطاب تتلقى منه، القرآن خطاب تلقي، ولا زلت لم تنفذ؛ الدعاء هو تمثيل عملي للخطاب الإلهي.

 

الله سبحانه وتعالى ألقى إليك خطاباً، طلب منك مجموعة مِنْ التكاليف، طلب منك أنت تدعوه، طلب منك أن لا تتكبر، الدعاء هو تطبيق عملي للقرآن.

 

لاحظوا الدعاء، ولهذا يكون «الدعاء مخ العبادة» ولهذا يكون «الدعاء عمود الدين» لهذا الصلاة نحن قلنا الصلاة أغلبها دعاء، وأفضل سورة فيها: الفاتحة كلها دعاء، كما في الروايات، والبسملة أفضل آية على الإطلاق وهي دعاء {بِسْمِ اللهِ} الفاتحة: 1، استعين بالله، ابدأ بالله، فنلاحظ هذا الدعاء، لماذا؟

 

لأن يعبر عن تبتل، وعن انقطاع، وليس كل إنسان يلاحظه؛ أنت اقرأ القرآن، وجربوا هذه الليلة أقرؤوا القرآن لا تشعر بذلك الانقطاع، قد يكون عند الإنسان انقطاع؛ لكن لا تشعر بالانقطاع إلى الله مثلما تقرأ الدعاء، تقرأ الدعاء تشعر بأنك منقطع إلى الله.

 

وحقيقة الدعاء يعني الإنسان حينها: هجر الدنيا، هجر العباد، هجر الخلق، هجر الماديات، انقطع إلى الله؛ يعني الآن لا يوجد حاجز بينه وبين الله، كسر وحطم كل الحواجز؛ ولهذا الدعاء حقيقة الدعاء هو التبتل، هو الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى.

 

لهذا نحن بأمس الحاجة إلى أن نكرس ثقافة الدعاء في مجتمعاتنا بالخصوص في هذه الأيام حيث الثقافة الغربية الإباحية، الأفكار المتضاربة، حالة الاستكبار عند بعض الشباب المتدينين أيضاً لرفض القيم الإسلامية بأي اعتبار كان؛ هذا لو تقرأ الدعاء وتتبتل في دعائه هنا يتغير وضعه، يتغير وضعه ليس 180 ْ درجة، بل يتغير 360 ْ درجة؛ لأن هذا يصل إلى 360 ْ درجة بعض الأوقات، هذا يبدأ الحالة صافية مصفية يُصفِّر القضية؛ يُصفِّر حياته الماضية كلها، كل الذنوب يمحيها مِنْ خلال ماذا؟

 

مِنْ خلال الدعاء ولهذا أنا أرى مِنْ الضرورة أن تبث ثقافة الدعاء وتبين أبعاد الدعاء، لا يكون شخص يدعي، -كهذه الحالة- مثالاً: بدعاء كميل، دعاء كله يستغرق ثلث ساعة، حواشيه تأخذ ساعتين! طبعاً الناس تكون عندها موقف من الدعاء! نحن لا نريد هذه الحالة، أو نحن نبحث عن شخص يقرأ الدعاء الذي بحيث نحن أيضاً نعيش حالة انقطاع، والإنسان بمفرده يمكن أن يكون حتى وإن يكون ما يكون.

 

الإنسان بمفرده دعه يقرأ المناجاة، يقرأ أي دعاء آخر؛ نفسه يشعر بحالة انقطاع إلى الله، فيصحح علاقته مع الله، فينقطع فيعرف حقيقته؛ لماذا خلق الإنسان؟ خلق الإنسان لماذا؟ لكي الله سبحانه وتعالى يرحمه، كيف يرحمه؟ الرحمة طريقها هو التقوى، كيف يحصل على التقوى؟ التقوى تحصل عن طريق العبادة، ما هو مخ العبادة؟

 

هو الدعاء، أفضل العبادة الصلاة والصلاة كلها دعاء «الصلاة عمود الدين» و «الدعاء عمود الدين» لاحظوا هنا الصلاة، لأنه حينما يقول الصلاة دعاء معناها اللغوي: دعاء، ومعانيها التي تقرأ فيها دعاء.

 

يعني هي طريقتها طريقةَ دعاء في حالات متعددة: الدعاء في حالة القيام، في حالة الركوع، في حالة السجود، بل أفضل الحالات أن يقرأ الإنسان الدعاء وهو في حال سجود.

 

لاحظوا التعبير ولهذا نحن حينما نريد نعبر عن علاقتنا بالله سبحانه وتعالى نقول: يا رب نحن ندعوك، ونحن ساجدون وما شابه، هذه الجبهة لا يمكن أن تسود بالنار؛ صحيح صحيفة أعمالنا سوداء، مسودةٌ صحيفة أعمالنا؛ لكن ما دامت هذه الجبهة خضعت لك ساجدةً داعيةً، في حالة دعاء، هذه الحالة تبيض الصفحة كلها، لاحظوا حالة الدعاء لماذا؟

 

لأنها حالة انقطاع، أنا أقررت بأن الله سبحانه وتعالى هو المهيمن وانقطعت إليه وهجرت كل شيء، لهذا نحن بحاجة إلى نكثر مِنْ ثقافة الدعاء: دعاء كميل، دعاء الصباح، دعاء الندبة، دعاء العهد؛ في كل فجر اقرؤوا دعاء العهد، انظروا كيف ولاء للإمام الحجة، واستعداد للانطلاق مع الإمام الحجة (عليه السلام) دعاء العهد.

 

دعاء الندبة ترسيخ للعقيدة، اقرؤوا دعاء الندبة كل يوم جمعة، اقرؤوا دعاء الندبة لاحظوا ترسيخ العقيدة.

 

أدعي وأقرأ دعاء التوسل؛ ترسيخ التوسل بأهل البيت والشفاعة، لاحظوا كيف ترسيخ العقائد، مجموعة مِنْ العقائد ومجموعة الأفكار؛ أدعية متناثرة ومبثوثة من هنا وهناك في كل شيء؛ مفاتيح الجنان، الدعاء والزيارة للسيد الشيرازي، مفاتيح الجنان للسيد القمي، المصابيح، الإقبال؛ أدعية ما شاء الله من أول النهار إلى آخر الليل.

 

يعني إنسان كل يوم يقرأ جزء مِنْ القرآن، كل يوم جزء، يقرأ جزء؛ لكن الأدعية مستحبة: عصر الجمعة مستحب دعاء، صبح الجمعة مستحب دعاء، في كل مساء مستحب دعاء، في شهر رمضان لاحظوا في كل الأعمال فإذا شخص يلاحظ الأعمال، ما هي الأعمال؟

 

في مناسبات متعددة: أنت في الحج في هذا الموقف تقرأ دعاء، في هذا الموقف تقرأ دعاء، كل موقف تقرأ فيه دعاء, كل عمل تقرأ فيه دعاء، كل الأعمال تقرأ فيها دعاء؛ في أثناء الصوم قبل أن تتناول لقمة تقرأ دعاء, في السحر تقرأ دعاء، بعد الإفطار تقرأ دعاء؛ دعاء الافتتاح، في النهار تقرأ دعاء، كل دعاء، دعاء، دعاء، دعاء في كل الأعمال.

 

فلا نفكر أن الدعاء هامشي؛ لا، بل ركيزة رئيسية،  ولهذا نحن بحاجة إلى أن نرسخ الثقافة: ثقافة أهل البيت، هذه الثقافة؛ لأن بها تصلح الأمة.

 

زبور آل محمد به تبنى الحضارات، هذا دعاء وهو الذي يصلح النفس، هو الذي يصحح التطلعات، هو الذي يصحح العقيدة.

 

أنت ترى في رمضان كله دعاء، في الحج كله دعاء، في كل شهر دعاء، في كل مناسبة دعاء، في كل برنامج في الصوم دعاء، في الاعتكاف دعاء, في الصلاة دعاء، بعد الصلاة دعاء، عجيب ذلك! بعد الصلاة أبواب السماء مفتحة، الإنسان يصلي من هنا ويخرج من هنا! الله سبحانه وتعالى يقول: أليس عندك حاجة؟ لماذا لم تدعوني؟

 

صليت فقط! ولهذا عندنا مقاطع تذكر: إذا عندك حاجة، عندك مشكلة، عندك هَمّ أطلب، لا عليك مِنْ الذي يقرأ هذا دعاء عام، أنت عندك حاجة اقرأها؛ اقرأ الحاجة التي تريدها في داخل قلبك، مِنْ كل قلبك اقرأها من بعد الصلاة؛ الحاجة تُطلب، الله سبحانه وتعالى يستجيب لك، الله سبحانه وتعالى يقول لك: أليس عندك حاجة؟

 

لاحظوا أنت صليت ودعيت؛ الصلاة دعاء، ولكن أيضاً بعد الصلاة يقول لك: أنت أيضاً أدعو بالحاجة التي تريدها، هذه الطريقة والخطاب الذي نحن علمناك إياه، وفي دعاء أيضاً تعقيب الصلوات؛ ولكن الله يقول لك: إذا عندك حاجة، عندك هَمّ، عندك مشكلة؛ أطلب مِنْ الله، ولكن أطلب صادقاً.

 

ويمكن الله سبحانه وتعالى يؤجل الاستجابة لأن الله استجاب، لكن يؤجل العطية الآن؛ يريدك تلح، يعني الله سبحانه وتعالى يحب العبد الذي يكون ملحاً في دعائه.

 

يعني أنت تذهب تطلب حاجة مِنْ إنسان تُلح عليه يتضايق منك، الله سبحانه وتعالى لا، عكس المخلوق؛ الله سبحانه وتعالى كلما تُلح عليه يُحبك أكثر، كلما تُلح عليه يقول: لك ألح؛ أحياناً لا ترى الحاجة التي طلبتها لكي الله سبحانه وتعالى يرفع درجتك ومكانتك، يريدك تُلح ويُحب يَسمع هذا الصوت؛ عجيب هذا الشيء! الله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً لنا، لكن كل هذا مِنْ أجل ماذا؟

 

مِنْ أجل تربيتنا، لهذا أنا ادعوا الأخوة وادعوت الأخوات إلى ترسيخ ثقافة الدعاء، واختيار الدعاء لفهم أبعاد الدعاء؛ يعني نقرأ الدعاء بتأمل، ودعونا نقرأ الدعاء بمفردنا أيضاً.

 

يوجد أدعية عامة لكن دعونا نختلي بأنفسنا ونقرأ بعض الأدعية وبالخصوص المناجاة، دعونا نقرأ هذه الأدعية لكي نعرف حقيقة أنفسنا، نعرف تطلعاتنا، نرتبط بالله، نعرف عقيدتنا وما شابه.

 

لهذا أؤكد على الأخوة والأخوات أن يرتبطوا بالدعاء ارتباطاً وثيقاً مع تدبر لمعانيه، مع ملاحظة هذه الأبعاد: تصحيح حياتهم كلها، مِنْ نظرتهم للظواهر، مِنْ علاقتهم مع الناس، مِنْ علاقتهم مع أرحامهم، مِنْ علاقتهم مع المجتمع بشكل عام، مِنْ علاقتهم مع الله، مِنْ علاقتهم مع المادة، مِنْ ومِنْ وما شابه، تصحيح لهذه الأمور يكون الدعاء منطلق لتصحيح.

 

أسأل الله لي ولكم أن نوفق لتلاوة هذه الأدعية، والتدبر فيها، والتأمل فيها؛ لكي نكون مِنْ أتباع زين العابدين سلام الله عليه، ممن يحظى بشفاعتهم، ويدعو إلى الله ببركة إتباع منهجهم؛ إنه سميع الدعاء، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
كلمات في الشهيد النمر 36
صوتيات
تأملات في خطبة المتقين (31) تشغيل تأملات في خطبة المتقين (31)
1) أهل البيت (عليهم السلام) هم السبيل إلى الله 2) ضرورة تكاثر القيادات تشغيل 1) أهل البيت (عليهم السلام) هم السبيل إلى الله 2) ضرورة تكاثر القيادات
قبح بعض أفعال العلماء تشغيل قبح بعض أفعال العلماء
1- مطالبنا الرئيسية وأهداف شعب البحرين 2- وسائل الطغاة لاستعباد الناس تشغيل 1- مطالبنا الرئيسية وأهداف شعب البحرين 2- وسائل الطغاة لاستعباد الناس
تأملات في دعاء مكارم الأخلاق: (036) تشغيل تأملات في دعاء مكارم الأخلاق: (036)
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 15
زوار الموقع 8421227