شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / كلمات وخطب الجمع
(443/أ): 1- دولة الإمام علي القيمية 2- نهج علي (ع) اتجاه الحكم والظلم
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر | 2016-06-16| Hits [3729]

 


 

 

 


 

الخطبة (1): دولة الإمام علي القيمية

 


 

«الْحَمْدُ للهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَالنِّعَمَ بَالشُّكْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ، السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاه كِتَابُهُ: عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ، وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ، إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ، وَيَقِينُهُ الشَّكَ».

 

والصلاة والسلام على «مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَأَمِينِكَ وَصَفِيِّكَ، وَحَبِيبِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكِ، أَفْضَلَ وَأَحْسَنَ وَأَجْمَلَ وَأَكْمَلَ وَأَزْكى وَأَنْمى وَأَطْيَبَ وَأَطْهَرَ وَأَسْنى وَأَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى أَحَدٍ مِنْ عِبادِكَ وَأَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وَصَفْوَتِكَ وَأَهْلِ الكَرامَةِ عَلَيْكَ مِنْ خَلْقِكَ».

 

والصلاة والسلام على علي بن أبي طالب «أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ، عَبْدِكَ وَوَلِيِّكَ وَأَخِي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الكُبْرى، وَالنَّبَأ العَظِيمِ».

 

والصلاة والسلام على فاطمة الزهراء سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ، وعلى ابنتها زينب بنت أمير المؤمنين.

 

والصلاة والسلام على «سِبْطَي الرَّحْمَةِ وَإِمامَي الهُدى الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ».

 

والصلاة والسلام عَلى أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ: عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ زين العابدين، وَمُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ باقر علم النبيين، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادق، وَمُوسى بْنِ جَعْفَرٍ الكاظم، وَعَلِيٍّ بْنِ مُوسى الرضا، وَمُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ الجواد، وَعَليٍّ بْنِ مُحَمَّدٍ الهادي، وَالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ العسكري، ومحمد بن الحسن َالخَلَفِ الهادِي المَهْدِي؛ حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَأُمَنائِكَ فِي بِلادِكِ، صَلاةً كَثِيرَةً دائِمَةً.

 

«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بَتَقْوَى اللهِ الَّتي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَادُ: زَادٌ مُبْلِغٌ وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا، وَفَازَ وَاعِيهَا.

 

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارِمَهُ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ؛ فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَالرِّيَّ بِالظَّمَأ، وَاسْتَقْرَبُوا الأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ، وَكَذَّبُوا الأَمَلَ فَلاَحَظُوا الأَجَلَ».

 

فاتقوا الله يا عباد الله تفلحوا، هذه كلمات أمير المؤمنين يوصي أصحابه، ويوصي جميع المسلمين مَنْ كان في عهده، ومَنْ يأتي مِنْ بعده إلى يوم يبعثون، يوصينا جميعاً بتقوى الله؛ لأن التقوى هي الصبغة العامة لشخصية الإنسان، كما هي الصبغة العامة لكل القيم، فبقدر ما نتقي الله بقدر ما تصطبغ شخصيتنا بقيم السماء.

 

فيا عباد الله اتقوا الله حق تقاته، اتقوا الله ما استطعتم؛ وفي مثل هذه الأيام حيث نعيش ذكرى استشهاد الأمير، إمام المتقين حري بنا أن نستحضر منهاجه، حينما نعيش ذكراه، حينما نحيي هذه الذكرى، ونحيي غيرها من ذكريات أهل بيت النبوة؛ إنما الهدف الأساس والرئيسي هو استحضار وإحياء ذلك النهج والمنهج، تلك الشرعة والشريعة.

 

شرعة علي هي شريعة رسول الله، شرعة علي هي شريعة السماء؛ ومنهاجه هو منهاج رسول الله، ونهجه هو نهج الرسالة؛ فبذكراه نستحضر ذلك النهج وتلك الشرعة لكي نغترف منها ما تستوعبه أو ما تتهيأ له قلوبنا.

 

بقدر ما تكون القلوب مهيأة بقدرها تتسع لذلك الفيض الذي لا يحد، بقدر تلك القلوب، ونحن في شهر الله، شهر التقوى،  شهر ترويض القلوب؛ حري بنا أن نروض قلوبنا لكي تملك القابلية للاغتراف مِنْ تقوى الله،  مِنْ خلال نهج الأمير سلام الله عليه.

 

تعالوا نتعرف ونستذكر ونذكر بعضنا بعضاً {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات: 55، نذكر بعضنا بهذا المنهج، ما هي أصوله؟ وكيف كان يتعامل الإمام سلام الله عليه مع مَنْ كان يخالفه؟

 

أما أصول المنهج، أصول الشريعة، أصول الشرعة فكانت تتلخص في التالي:

 

الأصل الأول: منهج علي وشرعة علي كانت تتمحور حول الحق: الحق هو الميزان، والحق هو المعيار، به تقاس الأشياء، وعليه تعرض؛ فبقدر ما وافقت تلك الأمور الحق كانت لها قيمة وقدسية، وبقدر ما جانبت الحق بقدر ما تفقد من قيمتها وقدسيتها.

 

فالحق هو المحور لا الدولة، ولا السلطان، ولا العشيرة، ولا الإمبراطورية، ولا كرسي الحكم: «الحق أحق أن يتبع» معيار الحركة والتوقف، معيار الانطلاق والتأني: هو الحق، اعرض كل حركاتك، وكل سكناتك، كل رؤاك، كل مواقفك: على الحق، ما وافق الحق فهو مشروع، وما خالف الشرع فلا شرعية له.

 

لا يقبل أي مبرر: حفظ الدولة، حفظ النظام، حفظ الأمن؛ حينما يتناقض ويتعارض مع الحق فلا شرعية له، تسقط شرعيته، وتسقط قيمته؛ يُبين ابن عباس قيمة الحق في فكر علي عليه السلام، في شرعة علي، في نهج علي: وهي شرعة رسول الله، وهي شرعة النبي صلى الله عليه وآله وجميع الأنبياء، ونهجه نهج النبي، ونهج جميع الأنبياء.

 

الإمام ذاهب على الطريق إلى البصرة نزل الربدة؛ يأخذ استراحة، استراحة الطريق، يقول ابن عباس: «فأتيته» أمير المؤمنين يعني «فأتيته، فرأيته يخصف نعلاً» يعني هذا الحذاء مقطوع، لم يقل يرميه ويشتري حذاءً جديداً، وبيت المال مليئاً بالأموال وهي بيدك، ألبس، كل ما طاب من الطعام، وألبس ما تبهر العيون من الثياب، أبداً! وإنما هناك معيار آخر، هذا الحذاء يخصفه، يربطه، يعدله؛ حذاء مقطوع يخيطه «فوجدته يخصف نعلاً، فقلت له نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع» حذاء أرميه وحذاء جديد ألبس، تعال أصلح أمور الأمة.

 

الصلاح معياره الحق: واحد باسم الإصلاح وهو يظلم باسم الإصلاح! ويسرق باسم الإصلاح وينهب هذا هراء! يعني الظلمة ماذا يقولون؟ يريدون الإصلاح {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} البقرة: 11، لكن هم المفسدون!

 

«فلم يكلمني حتى فرغ من نعله، ثم ضمها إلى صاحبتها» قطعتين «وقال لي قوّمها» كم قيمتها؟ قومها كم؟

 

«فقلت ليس لهما قيمة» ليس لها ولا فلس، درهم لا تأتي، ليس لها قيمة، أرميها في القمامة، لا قيمة لها؛ هذا الذي لا قيمة ليس له، «قال: على ذلك» ضع شيئاً، أبسط الأمور على ذلك «قلت: كسر درهم» ليس دينار، كسر درهم؛ هذا الدرهم أكسر قطعة منه، قطعة صغيرة هذا قيمته بالكثير؛ قيمته بالكثير قطعة من الدرهم تكسرها! يعني ريال أقل من ريال: ربع ريال، كم هللة، ليس لها قيمة.

 

«قال: والله» قسمٌ يقسم الإمام ليؤكد القيمة، ويبين المحور لكل شيء، لكل صغيرة وكبيرة؛ الإصلاح محوره هذا «والله لهما أحب إلي من أمركم هذا» إمبراطورية خمسين دولة، أكبر إمبراطورية، دولة كرسي ملك حكم قوة؛ القوة العظمى في يومها، لا ينافسها أحد.

 

مع ذلك «لهما أحب إلي من أمركم» أحب من هذه الدولة، أحب من هذه الإمبراطورية، لأن هذه من مالي الحلال «إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً» هذه الدولة لا قيمة لها، لا شرعية لها إلا إذا أقامت الحق.

 

الدولة التي تنتهك الحق لا شرعية لها: باسم حفظ الدولة، الدولة لا تسقط، ولا تكون كذا؛ ينتهك الحق! ويسلب الحق من أهله! هذا الكلام كله هراء، كلام شيطان، هذا الأمر الأول والمحور الأول إذن عند علي سلام الله عليه: الحق.

 

الأصل الثاني: وبالتالي كل الأصول تتفرع من هذا؛ العدالة وعدم الظلم: الإمام علي سلام الله عليه وهو القائل: «وَاللَّهِ لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً» أشواك السعدان، السعدان: هذه الأشواك بالخصوص هذه الأشواك السعدانية، مسهداً: يوجد أرق، لا يأتي النوم؛ يعني تارةً إنسان ينام على مسامير، نام، غفت عينه، يمكن لا يشعر بألمها؛ لكن إنسان مرهق وأرق النوم ومتعب لا يستطيع ينام، هذا مسهد، هذا هو السهد.

 

«وَاللَّهِ لأَنْ» قسم بتأكيد قيمة العدالة، حاكم شرعيته بعدالته، لا شرعية للحاكم الظالم أبداً لأنه من أهل النار، ولا شرعية لمَنْ هم من أهل النار «وَاللَّهِ لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلاَلِ مُصَفَّداً» الأغلال مقيداً يجروه «أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ» ظالم لبعض العباد! لواحد من العباد! يقول أبقى هنا ولا أظلم واحداً.

 

الظلم ليس من شرعة علي، الظلم ليس من نهج علي «ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ» لا آخذ ثروات البلد، صفقات وثلاث أرباعها في الجيب! «وَغَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ» كل الملك حُطام الدنيا «وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا» أظلم أحداً! «لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا» البلاء: النهاية بالتالي ترجع، قفولها: يعني رجوعها، ترجع إلى التراب، ترجع إلى ما كانت «وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا» تحل في التراب، تبقى إلى يوم يبعثون: «إما روضة من رياض الجنة، وأما حفرة من حفر النار» الظلم إذن ليس من نهج علي.

 

فنحن حينما نحيي ذكراه نحيي ذلك المنهج: نرفض الظلم ولا نظلم، الحاكم لا يظلم؛ سواء كان حاكم على دولة، أو كان الأب في بيته، أو كان الرئيس في شركته، في كل مكان؛ حينما نحيي نهج علي نحي نهج العدالة، نهج القسط، شرعة العدالة، شرعة القسط؛ هذا الأمر الثاني.

 

الأصل الثالث: المساواة: ونأتي بمثال بسيط في قضية المساواة لأن هذا هو من المحاور الرئيسية، ولأن له معاني أخرى أيضاً: المساواة بين الرعية، قبل أن نتحدث عن المساواة دعونا نأتي لنرى الإمام علي كيف أخذ الحكم؟ كيف وصل إلى الحكم؟ هل بالترعيب، بالإنقلاب، بالقتل؟

 

أبداً، عندما قُتل عثمان «جاء له طلحة والزبير إلى علي (عليه السلام) وهو متعوذ بحيطان المدينة، فدخلا عليه وقالا: أبسط يدك نبايعك، فإن الناس لا يرضون إلا بك.

 

فقال لهما: لا حاجة لي في ذلك...» أنا ليس عندي حاجة إلى أمرتكم «فقالا: إن الناس لا يؤثرون غيرك، ولا يعدلون عنك إلى سواك» الجماعة رأوا تجربة: رأوا خبره، رأوا الرسول يحكم، ورأوا سيرة علي، ورأوا ما بينهما، ورأوا الأسرة في عهد عثمان واضحة جلية وما شابه؛ فالناس وإن كان طلحة والزبير من أهدافهما أن يصلا إلى الحكم، وهم مِنْ قتل عثمان.

 

لكن حينما رأوا الناس لا يريدون غيره، ليس عندهم مجال، فجاءوا إليه لكي يحصلون شيئاً، أول الناس وبمفرده قالوا: نبايعك، سباقون؛ لكن الغدر في أعينهما.

 

مع ذلك الإمام علي قال لا حاجة لي «أبسط يدك نبايعك» أول الناس، قال علي عليه السلام لطلحة: «والله ما أخشى غيرك» أنت، لا أخشى إلا أنت، لأن هو الأساس.

 

فقال طلحة: «لا تخشى، فوالله لا تؤتى من قبلي أبداً» فقال: «إن بيعتي لا تكون سراً، فأمهلا حتى أخرج إلى المسجد.

 

فقالا: بل نبايعك هنها، ثم نبايعك في المسجد» نبايعه أول شيء في منزله، قالا: أولاً نبايعك -هنا- ونبايعك مرة ثانية.

 

لكن فقط نحن نريد نبايعك أول الناس، وهنا في البيت بحرية واختيار؛ وخرج قبل أن يصل للمسجد انهالوا عليه الناس، اجتمعوا عليه ونفس الكلام أرادوا يبايعوه، وسألوه أن ينظر في أمورهم، يطلبون مبايعته؛ ترى المجتمع يتراكضون لك، يتنازعون، يسفكون الدماء لكي يوصلون الكرسي؛ الإمام علي، قال: لا، هذا الكرسي لا قيمة له.

 

الناس أتت تبايعك، الإمام علي يعلم ما هو المصير؛ ولذلك يلقي الحجة تلو الحجة عليهم: «مدوا يده» لم يبسطها، هم مدوها، وبسطوها «وقبضها قالا: بايعنا، لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، قال: إن كان لابد من ذلك ففي المسجد إن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا» لاحظوا البيعة: ليس من وراء ستار، ليس في أماكن أربعة أنفار، ليس في السقيفة؛ -بل- على الملأ، وبالاختيار «ولا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي ملأ وجماعة» في ملأ: أمام الناس، «فقام والناس حوله».

 

خرج ألقى خطبة، بيّن أنه كارهٌ لهذه الحكومة، وكارهٌ لهذه الولاية على أمة محمد، لأنه يعلم ما سيكون من هؤلاء؛ ولكن حينما اجتمعت كلمتهم، في الظاهر اجتمعت؛ يوجد البعض في عينه الغدر، لكن هذا عموم الناس المساكين اجتمعت كلمتهم.

 

الإمام علي قال: ليس عندي مجال أن أرفض، ما دام اجتمعتم على هذا الأمر؛ ثم بايعوه، انهالوا عليه؛ في مقاطع كثيرة تُبين كيفية البيعة إلى درجة يُبين أن الأمور قد يَقتل بعضهم بعضاً من الدهس في التزاحم.

 

طلب وقال لعمار وأبو الهيثم بن التيهان: خذوا البيعة من عند المسلمين؛ لاحظوا البيعة كيف؟

 

شرط البيعة، شرعية الحكم حتى لعلي، حتى لعلي شرعية الحكم معلقة؛ لا شرعية إلا بهذا الشرط: «نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله» طاعة الله ليس طاعة الهوى، ليس طاعة الشيطان؛ سنة رسول الله ليس سنة الجهلاء، لا الشيخين ولا غيرهم، ليس سنة أحد.

 

سنة الرسول: طريقة الرسول، نهج الرسول؛ شرعة الرسول «وإن لم نفِ لكم» إذا نحن مع علي لم نفِ لم نطع الله، لم ننتهج سنة رسول الله: خالفنا! «فلا طاعة لنا عليكم ولا بيعة» الطاعة ساقطة {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} النساء: 59، أولي الأمر: هم الذين يطيعون الله، وينتهجون سنة رسول الله.

 

مَنْ يخالفها لا يطلق عليه {أُوْلِي الأَمْرِ} ولا يستحق الطاعة، ولا تجوز طاعته «فلا طاعة لنا عليكم، ولا بيعة» «نبايعكم على طاعة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وإن لم نف لكم، فلا طاعة لنا عليكم، ولا بيعة في أعناقكم. والقرآن إمامنا وإمامكم» إذن هذه البيعة: ليس فيها إكراه، ليست بالقوة؛ طاعة الله وطاعة رسوله باختيار الإنسان {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} الكهف: 29.

 

لذلك أتوا للإمام علي، يوجد أناس لم يكونوا حاضرين، تخلفوا؛ طبعاً الإمام علي أيضاً في خطبته، قال: «تخللوا الصفوف هل مِنْ مكره» أيوجد أحد مكرهاً على البيعة! قال لهم: «تخللوا الصفوف» إذا يوجد واحد مكرهاً على البيعة، أريد أعرف، ليس لنا حق نجبر أحداً، هل يوجد أحد؟ «تخللوا الصفوف» هل هناك مُكره؟

 

ليس موجود أحد أكره على البيعة، ليس الإمام علي "سحب من رقبته" وقالوا له تبايع أو نحرق البيت!

 

بيت فاطمة نحرقه «قالوا: فيه فاطمة، قال: وإن!» عمر بن الخطاب هذا موجود أكتب: «قال: وإن»  على الإنترنت تبين لك؛ هذا من كتب السنة «قالوا: إن فيه فاطمة!» قال: إذا لم يخرج يبايع نحرق البيت بالذي فيه!

 

فاطمة التي مودتها واجبة بصريح القرآن، بيعةٌ بالسيف مسلط! الذي لم يقبل يبايع السيف يطارده! بيعة عثمان كانت سيوف مسطلة «إما تتفقوا وإلا نقتلكم» أي بيعة هذه! أي شرعية لهذه المبيعات! بيعة بالإكراه!

 

رسول الله لم يكره أحداً على بيعته، بيعة بالاختيار، وهناك مَنْ تخلف عن بيعة رسول الله ولم يقتله، ولم يهدده بالسلاح، وبالسيف، وبالقتل.

 

أتوا له -علي بن أبي طالب- سعد بن أبي وقاص لكي يبايع، فقال له علي: بايع، قال لا حتى يبايع الناس، فقال: خلوا سبيله.

 

وفي رواية أخرى «قال: ليبايع، قال له: إذا لم يبقى غيري بايعتك» يعني أنا آخر واحد أبايعك «قال: خلوا سبيله» قال: آخر واحد، قال: خلوه، لم أبايع.

 

أتوا إليه أيضاً بعبد الله بن عمر قالوا له: بايع «قال: لا حتى يبايع الناس» مالك الأشتر «قال: دعني أقطع عنقه» على الأجواء السابقة.

 

قال له الإمام علي: «آتني بكفيل قال: لا أرى كفيل» ليس عندي كفيل «قال: الأشتر دعني أضرب عنقه» ليس سابقاً الذي لا يبايع عنقه مهددة! «الإمام علي قال: دعوه أنا كفيله» ولم يبايع.

 

وعبد الله بن عمر ذهب إلى سفاك الدماء، الذي كان يأنس بشرب الدماء، ويقتل ويذبح؛ قال له: أتيك أبايع، قال له: لماذا، قال: سمعت حديثاً من رسول الله: «مَنْ مات ولم يبايع إمام زمانه مات ميتة جاهلية» هو لم بايع إمام زمانه علي بن أبي طالب! فلاحظوا موتته!

 

قال له: ليس هذا الحديث أتى بك، قال له: هذا، أراه السيف، قال له: هذا السيف الذي أتى بك؛ لو كان هذا الذي أتى بك كان بايعت علياً.

 

وهو من بني أمية، من أنصار وأعوان بني أمية، من الظلمة، قال له -الحجاج-: خذ، فمد إليه رجله، قال له: هذه رجلي سلم عليها وبايعها!

 

لاحظوا أين كرامة الإمام علي أراد يعطيه، لكنه رفض الكرامة؛ فعاش الذل والهوان.

 

فإذن الإمام علي لم يكره أحداً، الناس إذن في حرية، حرية وعدم الإكراه، الأمن، الناس آمنون؛ من الأصول الأخرى:

 

الأصل الرابع: الكرامة: يقول الإمام علي سلام الله عليه لمالك الأشتر: «وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُم‏ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق» هذه أخوة دينية: كرامة التقوى، كرامة الإيمان؛ وإما نظير لك في الخلق، الإنسان له كرامة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم} الإسراء: 70، الكرامة، فتعاملك مع الرعية لابد أن يكون على أساس الكرامة، هذا الأصل.

 

أما التعامل على أساس الظلم، والإهانة، والسلب، والنهب؛ فهذه الحكومات لا شرعية لها، هذه أصول، ونأتي إذن الحق محور، الكرامة، العدالة، عدم الخوف، الأمن، ومن تلك الأمور:

 

الأصل الخامس: المساواة: وهذه الجماعة رفضوها، ومنها كُسرت القربى؛ من هنا الجماعة تعودوا على الظلم، وعلى التمييز، الجماعة متعودين في عهد عمر يُفضلون على غيرهم: في القسمة، في الأموال؛ العربي يعطيه أفضل من غيره، وهكذا لكي يكسبوا القلوب وما شابه بالمال.

 

شُري الدين بالمال، ومِنْ هؤلاء طلحة والزبير وغيرهم؛ لكن هنا بدأ طلحة، عندما الإمام ومِنْ أول ما أستلم الحكم وصعد المنبر ثبَّت، قال: كلكم سواء، وقال عندنا مال غداً تعالوا نقسمه، ولا يفرق فيه أحد؛ نقسمه عليكم بالسوية: الأحمر وغير الأحمر، العربي وغير العربي، كل الأحرار الذي كان يُعطى، والذي كان محروماً من العطاء، يأتي سنعطيه مثلما نعطي غيره: «فأنتم أيها الناس عباد الله المسلمين، والمال مال الله» ليس مال الحكومة، ليس مال النظام، ليس مال الحاكم، ليس مال الحزب الحاكم، ولا العشيرة الحاكمة؛ المال مال الله «يُقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد وللمتقين» إلا بالتقوى، وليست التقوى في المال، التقوى عند الله.

 

ولذلك الإمام يكمل «وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً، وما عند الله خير للأبرار.

 

وإذا كان غداً إن شاء الله فاغدوا علينا» من الصبح، مع شروق الشمس تعالوا «فإن عندنا مالاً» «نقسمه فيكم ونحن مسوون فيه» بالتساوي بين الأسود والأحمر «ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء، أو لم يكن إلا حضر، إذا كان مسلماً حراً أحضروا رحمكم الله» وأتوا اليوم الثاني.

 

صعد المنبر وقال لعمار والبقية وأبو التيهان وابن عباس: تخللوا الصفوف إذا يوجد أحد مكرهاً، ثم قال لهم يقسموا على كل واحد ثلاثة دنانير، وأبقوا لي ثلاثة دنانير.

 

نعم، دخلوا ورأوا عدد الحضور مئة ألف، رأوا العدد الموجود ثلاث مئة ألف، بالعدد؛ وعمار قال: هذه الحجة عليكم، لم يذهب يرى بيت المال، قسموه وتركوا للإمام ثلاثة.

 

بعض الجماعة لم قبلوا: طلحة والزبير، لم يقبلوا التسوية، رفضوا؛ جاؤوا للإمام علي، أتوا لعمار قالا: مَنْ عندكم عند صاحبكم.

 

قال: صاحبنا نحن هذا أمر نلتزم بالأمر.

 

قالا: خذ لنا أذن منه.

 

قال: لا يحتاج إلى إذن، أذهبوا له، موجود في المكان الفلاني.

 

ذهبوا وقالا: أنت في الشمس تعال لنا في الظل! نحن لا نقدر!

 

متعلمون على الميوعة، متعلمون على الرفاه، متعلمون على أكل مال الغير؛ نظام سابق علمهم على التعالي، على أكل مال الغير، على عدم المساواة، ما هو الفرق! «إن الله تعالى خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً» لكن هؤلاء هذا الحديث لغوه من ذهنهم، كما هو كثير من المجتمعات: قيمة الإنسان بتقواه، لا فرق.

 

قالا: نحن لا نستطيع، كيف أنت تساوينا، نحن كان عمر يعطينا أكثر من غيرنا، وكذا وما شابه؛ نحن لنا جهادنا، وسابقيتنا في الإسلام، وقرابتنا من رسول الله، هل هذه قيم؟

 

قال لهم الإمام علي: أنتم أقرب أو أنا؟

 

قالوا: أنت.

 

قال: أنا ثلاثة دنانير مثلكم.

 

قال لهم: أنتم أكثر جهاداً أو أنا؟

 

قالوا: أنت.

 

قال: أنا ثلاثة دنانير مثلكم.

 

قال: أنتم أسبق أو أنا؟

 

قالوا: أنت، وأيضاً هذه لكم عند الله الأجر؛ أما هذه مساوون المتقون وغير المتقون، مَنْ يستحق يُعطى؟ ودارت الدائرة بهم وقد نكثوا!

 

إذن المساواة، الحكومات تعتمد على التفرقة في التوزيع، على التفرقة؛ لذلك هم الذين تمردوا عليه، قال لهم الإمام علي، قال لهم: أنا هل جرت في حكم؟ أعملت كذا؟ أعملت أي خطأ، آتوا به؟ أجهلت في حكم لا أعرفه؟ أظلمتكم؟ أظلمت غيركم؟ أقصرت أي شيء؟ أي مبرر؟ ما هو مبرر خروجكم عليّ؟

 

قالوا: أنت خالفت عطية عمر علينا! واضح خالفت! يعني هذه المساواة نرفضها، لا نقبلها! يقول سلام الله عليه استدعاهما: «قال لهما: هل جئتماني طائعين للبيعة، ودعوتماني إليها، وأنا كاره لها!

 

قالا: نعم.

 

فقال: غير مجبرين ولا مقسورين، فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما!

 

قالا: نعم...

 

فقال: ألا تخبرانني، أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه؟

 

قالا: معاذ الله!

 

قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشيء؟

 

قالا: معاذ الله!

 

قال: أفوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه؟

 

قالا: معاذ الله!

 

قال: فما أنكرتم؟ أجورٌ في حكم أو استئثارٌ في فيء؟

 

قالا: لا.

 

قال: أو في أمر دعوتماني إليه من أمر المسلمين فقصَّرت عنه؟

 

قالا: معاذ الله!

 

فقال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟» أي مبرر لا يوجد.

 

فأي شيء الذي جعلكم تعارضون، ترفعون راية معارضة؟

 

معارضة حكم شرعي مشروع، ومعارضة سفيهة غير شرعية، ولاحظ كيف يتعامل معهم؟

 

«قالا: خلافك عمر بن الحطاب في القسم» خلافك عمر بن الخطاب في القسم! وانتقاصنا حقنا من الفيء! «إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا، وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى علينا بأسيافنا ورماحنا، وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا، وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسراً وقهرا ً ممن لا يرى الإسلام إلا كرها» هذا كان مبرر!

 

«فقالا له: أعطنا» الإمام علي قال لهم هذا، إذا هذه الأمور أنتم ما هو المبرر لكم؟

 

وقد جواب عليهم: «مَنْ أقدم» وهذه المشكلة، هذه مشكلتهم: المال.

 

ولذلك أتوا له في يوم من الأيام قالوا: أعطنا قليلاً من بيت المال.

 

قال: أعطيكم المال من ينبع.

 

قالوا: تعرف الظروف وضيقة المعيشة.

 

تعودوا يصرفون بلا رشد، الذي متعود على الترف، والترف بالظلم أيقدر يعيش بضيق قليلاً؟

 

يصعب، وإلا غيره أضيق معيشة منه، وهو أكثر سعة من غيره؛ لكن لا يتحمل، لا يقدر يعيش إلا على النهب وسرقة أموال الآخرين «ما جاع فقير إلا بما مُتِع به غني» كما يقول علي، هؤلاء لا يقدرون يتحملون، أتوا قالوا: أعطنا.

 

قال: «عندي مال من ينبع» شخصي «أعطيكم من مالي» قالوا: ليس له حاجة هذا المال، نريد تعطينا من بيت المال: «أعطينا من البيت المال شيئاً لنا فيه كفاية، فقال: سبحان الله وأي يدٍ لي في بيت المال وذلك للمسلمين» لاحظوا عليٌ يقول: هذا ليس مالي «هذا مال الله للمسلمين سواء» أين الحكومات؟ أتجدون هذا؟ يلعبون به على كيفهم! على عشائرهم! على الذي يتملق لهم! على الذي يقبل العبودية لهم! أليس هذا؟ أليست الحكومات قائمة على هذا النهج الجاهلي!

 

«فقال: سبحان الله وأي يدٍ لي في بيت المال وذلك للمسلمين، وأنا خازنهم، وأمينٌ لهم» أنا الخازن، أنا أمين مستأمن «فإن شئتما رقيتما المنبر وسألتما ذلك ما شئتما، فإن اجتمعوا على أن يعطوكما شيئاً من حقوقهم فعلت» تعالوا قولوا للمسلمين، إذا الجماعة تنازلوا، حاضر أعطيكم؛ لأن هذا مالهم.

 

«وأنَّى لي بذلك وهو لكافة المسلمين شاهدهم وغائبهم» يمكن لا يحضر كلهم، جماعة يقبلون وجماعة لا يقبلون؛ لكن مع ذلك نجد نقول: الحاضر يكفي عن الغائب: «لكني أبدي لكما عذراً».

 

فقالا: «لم نكن لنطلب ذلك إلى الناس، ولم يكونوا ليفعلوا لو طلبنا إليهم» أيعطيهم الناس؟ أيوجد أحد عاقل يقول له أنهب مالي وأنا راضي عنك؟

 

قال: «فأنا والله أحرى أن لا أفعل» إذا أصحاب المال لا يفعلون، أنا آتي أفعل، لماذا؟!

 

بالتالي هذا لا يكون، هذه القيم الأساسية لحكم علي؛ نريد نقرأ الحكومات، نعرضها على هذا المنهج؛ هل هذه الحكومات قائمة على الحق؟ محورها الحق؟

 

بقدر ما تتمحور حول الحق بقدرها شرعيتها، وبقدر ما تبتعد فلا شرعية لها؛ وهكذا العدالة والكرامة والمساواة والأمن وعدم الخوف.

 

أليست حكومات "أضربه بيدٍ من حديد" ضرب رأسك! كل كلمة والأخرى قال "سنضرب بيد من حديد" ضَربتْ يد من حديد رأسك! وكسرته وهشمته لكي تعرف يد من حديد كيف تضربها على الأبرياء والضعفاء!

 

هذه لغة الجهل والجاهلية، لغة الضعفاء، لغة الظلمة، لغة الجبابرة، لغة الهمج، لغة الجور؛ كلمة والثانية قال: بالضرب، بالاعتقال، بالقتل، بسفك الدماء وما شابه.

 

فنحن حينما نحيي ذكرى علي نحيي منهجه، لكي نتخلق بتلك الأخلاق: لا نظلم، نحن والآخرون سواء، نعدل لا نظلم، لنا كرامة ولغيرنا كرامة، كرامة الدين وكرامة الإنسانية، وبالتالي الأمن للجميع، لا يجوز أن نخيف أحداً، لا يجوز الإكراه، كل إكراه باطل، كل شيء قام على الإكراه فهو باطل، لا شرعية لأمر يكره عليه الإنسان أبداً، إقرار تحت الإكراه لا شرعية له.

 

في السجون أضربه وعذبه! ويأتي على التلفزيون أحد مكبل في السجن! أي شرعية لهذا الإقرار! وهكذا بقية الأمور: لا إكراه، ماذا قال؟ "قال: هيبة الدولة!" هيبة عمى بعينك!

 

هيبة دولة! هيبة القيم نريد، لا شرعية لدولة يهابها الناس: بسبب الظلم والجور، ولا نريد هيبة للدول.

 

فلتكن الهيبة للأمة بقيمها، ليس هيبة للنظام الحاكم، لكن الجهل والتملق؛ أحد يأتي يكتب لي مقال "هيبة الدولة" أو يتحدث "هيبة الدولة" لا؛ لا نريد هيبة للدول، نريد هيبة للأمة بقيمها؛ لأن هيبة الدولة تقتل الأمة، تستعبد الأمة، تخلف الأمة، تجعلها متخلفة، عبدة، لا كرامة لها.

 

الكرامة لا تتحقق بهيبة الدولة، والعدالة لا تتحقق بهيبة الدولة؛ بل ولا الأمن يتحقق بهيبة الدولة، يتحقق الأمن والعدالة وما شابه بالقيم، بالخضوع للقيم، بالمساواة.

 

نسأل الله أن يجعلنا ممن ينتهجون منهج علي، ويلتزمون شريعة علي: وهي نهج وشرعة النبي وجميع الأنبياء، إنه سميع الدعاء.

 

اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

 

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}.

 


 

الخطبة (2): نهج علي (ع) اتجاه الحكم والظلم

 


 

الحمد لله نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونستغفره ونستهديه.

 

والصلاة والسلام على محمد بن عبدالله «سَيِّدِ الُمُرْسَلينَ، وَخاتَمِ النَّبِيّينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ الْعالَمينَ؛ الْمُنْتَجَبِ في الْميثاقِ، الْمُصْطَفى فيِ الظِّلالِ، الْمُطَهَّرِ مِنْ كُلِّ آفَة، الْبَريءِ مِنْ كُلِّ عَيْب، الْمُؤَمَّلِ لِلنَّجاةِ، الْمُرْتَجى لِلشَّفاعَةِ، الْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ دينُ اللهِ».

 

والصلاة والسلام عَلى «أَميْرِ الْمُؤْمِنينَ ووارِثِ الْمُرْسَلينَ، وَقائِدِ الْغُرِّ الُمحَجَّلينَ، وَسَيِّدِ الْوَصِيّينَ، وَحُجَّةِ رَبِّ الْعالَمينَ».

 

والصلاة والسلام عَلَى الصديقة الْبَتُولِ، بضعة الرسول، الطهر الطّاهِرَةِ، الزهرة الزاهرة، كوثر الدنيا والآخرة؛ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وحجة رب العالمين على الأئمة من ولد أمير المؤمنين.

 

والصلاة والسلام على ابنتها زينب بنت أمير المؤمنين.

 

والصلاة والسلام عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِمامِ الْمُؤْمِنينَ وَوارِثِ الْمُرْسَلينَ وَحُجَّةِ رَبِّ الْعالَمينَ.

 

والصلاة والسلام عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِمامِ الْمُؤْمِنينَ وَوارِثِ الْمُرْسَلينَ وَحُجَّةِ رَبِّ الْعالَمينَ.

 

والصلاة والسلام على أئمة المسلمين، وورثة المرسلين، وحجج رب العالمين: علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن الخلف الهادي المهدي.

 

عباد الله اتقوا الله حق تقاته، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، كونوا مع علي ومع أهل بيته، مَنْ يكون مع علي، مع نهجه؛ اتقوا الله بالالتزام بأخلاق علي.

 

اتقوا الله بجعل علي هو القدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله: في أخلاقه، في سيرته، في حكمه.

 

التشيع هو الإتباع، شيعة علي من يتبعه، «يا علي؛ أنت وشيعتك في الجنة» مَنْ هم شيعة علي؟

 

شيعة علي هم مَنْ يتبعوا نهجه، مَنْ يتخلقون بأخلاقه؛ التشيع لا يُورث، وإنما التشيع يكتسب بالإتباع.

 

لذلك أنا أدعوا الجميع مَنْ يسمى شيعة ومَنْ يسموا بالسنة بأن يكونوا شيعة لعلي بالالتزام بنهجه، بالالتزام بنهجه، مَنْ يلتزم بنهجه هو شيعي، وهو معه في الجنة.

 

الشيعة شيعة علي، هذا حديث متفق عليه بين المسلمين «يا علي أنت وشيعتك في الجنة» فكن من شيعة علي بالتزام نهجه، وبجعل شرعته المرجعية لك.

 

نحن تكلمنا في الخطبة الأولى عن الأصول، عن الحق، عن محورية الحق، وعن الكرامة والعدالة والمساواة والأمن والحرية وما شابه ذلك -من- نهج علي.

 

فلنتخلق بهذه الأخلاق، وكيف كان يتعامل عليٌ سلام الله تعالى عليه، وهو الذي كان يملك القوة والقدرة؟ كيف تعامل لكي لا أحد منا يغتر بقوته، ولكي نعرض الحكومات، نعرضها على نهج علي كيف تتعامل؟

 

عليٌ حاكم شرعي، ومعارضة خارجية غير مشروعة؛ نحن في عالمنا اليوم حكومات غير مشروعة ومعارضات لها شرعية.

 

لاحظوا معارضات اليوم لها شرعية، وحكومات فاقدة لشرعيتها؛ الحكومات التي تظلم، الحكومات التي لا تجعل الحق محوراً لها، الحكومات التي تسلب الحرية، الحكومات التي تزعزع الأمن، الحكومات التي تسفك الدماء، الحكومات التي تعتقل الأبرياء، الحكومات التي نهجها نهج الغاب؛ لا شرعية لها.

 

والمعارضات من الشعوب يطلبون الحرية، يطلبون الكرامة، يطلبون العدالة، فهذه مطالبة شرعية: عند الشعوب، عند المعارضة، وممارسات حكومية غير مشروعة.

 

وتعال أنظر كيف تتعامل الحكومات: بالظلم والجور، وبزيادة سفك الدماء، وبزيادة الظلم.

 

نحن دعونا نأتي نأخذ منهج علي: أخذ البيعة بحرية الناس، وساوى بين الناس، وعدل بين الناس، وقال: أنا لا أتمكن أظلم واحداً، لا يمكن أن يظلم واحداً، والحق هو محوره؛ لا الدولة، لا الكرسي، لا يجلس على كرسيه من خلال الجلوس على جماجم البشر كما هي الحكومات اليوم؛ لا يتمكنون من بقاءهم على الكرسي إلا على جماجم البشر، ظلم والعياذ بالله؛ يعني سفك للدماء، جرائم شنيعة، إجرام لا يحد، هذه حكومات.

 

تعالوا نقرأ حكومة الإمام علي، لكي هذه الحكومات نعريها "نشرشحها" لنعرف لا أحد يتلبس: لا بالدين، ولا بالأمن، ولا شيء؛ "والذي أحد يتكلم الحكومة تسقط يتزعزع الوضع" مَنْ يقول؟

 

كله كذب في كذب، هم أساس زعزعة الوضع؛ نأتي لعلي كيف يتعامل مع الخوارج؟

 

ثلاث طوائف من الخوارج، أول: من خرج هم طلحة والزبير ... وهم من الخوارج، وهم أساس الخروج على الحاكم؛ ثم خرج معاوية، ثم خرج الحريريون.

 

والاسم ألتصق بهؤلاء، وإلا كلهم خوارج، مَنْ نكث عهده، ومَنْ قسط كلهم خوارج: الناكثون والقاسطون، فقط على هناك المارقون سمي الخوارج مَنْ مرق! مَنْ نكث بيعته خارجي، ومَنْ قسط فهو خارجي، ومَنْ مرق في الدين فهو خارجي؛ كلهم خرجوا على الحاكم الشرعي.

 

حاكم شرعي ليس حاكم ظالم، الخارجي يسمى خارجياً: لأنه يخرج على الحاكم الشرعي، وليس على الحاكم العادل.

 

... طلحة والزبير خرجوا على علي فهم خوارج، ومعاوية وأتباعه وعمر بن العاص وما شابه خرجوا على علي وهو الحاكم الشرعي فهم من الخوارج؛ ثم جاءك المارقون، جاءك المارقون؛ فقط الاسم صار لهنالك! وإلا كلهم، صحيح غلب عليهم؛ لأن هناك انتهوا، فغلب على هؤلاء.

 

جاء طلحة والزبير قالا للإمام علي: أحدهم يريد الشام، وواحد يريد البصرة؛ الزبير يريد الشام، وطلحة يريد البصرة؛ الإمام علي لم يعطهم.

 

لأن الإمام علي لا يعطي مَنْ يطلب، مَنْ يطلب السلطة لا يعطى، مَنْ يطلب السلطة لا يعطاها؛ لأن هذا اشرأبت قلبه بها فلا يعطاها.

 

ذهبوا بعد أيام أتوا، قالوا: ما لنا وكذا،  وهذه القضايا؛ قال لهم الفيء ومال ينبع، القصة التي ذكرناها في الخطبة الأولى؛ تركوه بعد يومين ثلاثة أيضاً أتوه بعد أيام للإمام؛ لأنهم سمعوا عائشة في مكة، وبعض ولاة عثمان تجمعوا في مكة، وجمعوا الأموال، ومروان بن الحكم بدؤوا هناك يحيكون المؤامرة.

 

فجاء طلحة والزبير إلى الإمام علي، وقالوا: نريد نذهب العمرة «قالا: يا أمير المؤمنين، قد جئناك نستأذنك للخروج في العمرة.

 

فلم يأذن لهما.

 

فقال: إنا بعيدا العهد بها، إئذن لنا فيها.

 

فقال: والله ما تريدان العمرة، ولكنكما تريدان الغدرة، وإنما تريدان البصرة.

 

فقالا: اللهم غفراً، ما نريد إلا العمرة.

 

فقال عليه السلام لهما: احلفا لي بالله العظيم أنكما لا تفسدان علي أمر المسلمين، ولا تنكثان لي بيعة، ولا تسعيان في فتنة.

 

فبذلا ألسنتهما بالأيمان الوكيدة» نفاق ظاهره البيعة، وباطنه عدم البيعة «فيما استحلفهما عليه من ذلك.

 

فقال: فأذهبا حيث شئتما فلما ولي قال: فمَنْ نكث فإنما ينكث على نفسه.

 

فلما خرجا من عنده لقيهما ابن عباس، فقال لهما: فأذن لكما أمير المؤمنين؟!

 

قالا: نعم.

 

فدخل على أمير المؤمنين، فابتدأه «عليه السلام» فقال: يا ابن عباس، أعندك خبر.

 

فقال: قد رأيت طلحة والزبير.

 

فقال عليه السلام: إنهما استأذناني في العمرة، فأذنت لهما بعد أن استوثقت منهما بالأيمان: أن لا يغدرا، ولا ينكثا، ولا يحدثا فساداً.

 

والله يا ابن عباس، ما قصدا إلا الفتنة، فكأني بهما وقد صارا إلى مكة ليستعينا على حربي، فإن يعلى بن منية الخائن الفاجر قد حمل أموال العراق وفارس لينفق ذلك، وسيفسد هذان الرجلان علي أمري» هؤلاء سيفسدون الدولة، ستضطرب وتفسد من هؤلاء الاثنين.

 

«ويسفكان دماء شيعتي وأنصاري» هؤلاء سيسفكون الدماء، يتزعزع الوضع، الأمن يسلب، قتل ومقاتلة وما شابه من فوضى ودمار؛ يعني إما يعطيهما البصرة والكوفة، أو يعطوهم أحسن من غيرهم، أو الطوفان!

 

«فقال ابن عباس: إذا كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلوماً فلما أذنت لهما؟» تعلم، يخططون!

 

لابد تلتفتون هنا: بعدهم لم يبدؤوا عملاً، تخطيط بعدهم لم يبدؤوا على الواقع.

 

لكي نرى الحكومات الظالمة بتعبير اليوم: "الأمن الوقائي" مخيلات وتصورات عندهم هؤلاء الجهلة، فقبل أن تعمل شيئاً، أو تفكر تعمل شيئاً يأتوا يعتقلوك! أو يقتلوك أو يدمروك، باسم الأمن الوقائي!

 

«إذا كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلوماً فلما أذنت لهما، وهلا حبستهما» أحبسهم، قيدهم «وأوثقتهما بالحديد، وكفيت المسلمين شرهما، فقال» لاحظوا منطق الحق، لاحظوا منطق العدل، لاحظوا منطق العدالة، هذه قيم السماء، هذه شرعية الحكومات.

 

لا يخالف ذلك بالباطل، لا يوجد مبرر؛ الإمام علي يعلم، يعلم سيفسدان الأمر، سيسفكان الدماء؛ عنده علم وليس ظناً، ليس وهماً؛ علم يقين «فقال عليه السلام: يا ابن عباس؛ أتأمرني بالظلم ابدأ، وبالسيئة قبل الحسنة» تريدني ابدأ بالظلم! بعدهم لم يبدؤوا العمل ليس لي حق، ظلم؛ إذا يعتقلهم ظلم.

 

يقول الإمام علي: أنا إذا احبسهم ظلم لهما «أتأمرني بالظلم» هذا ظلم لهما؛ أرأيتم العدالة.

 

أي الحكومات هذه التي تعمل بها حكومات الجور «وبالسيئة قبل الحسنة» أبدأ بالحسنة، إذا لم تنفع الحسنة وأساء، السيئة تدفع بالحسنة؛ أول شيء يدفع السيئة بالحسنة، بعدها إذا لم ينفع يدفع السيئة بالسيئة.

 

«وأعاقب على الظنة والتهمة» الإمام عنده علم، لكن الإطار العام يُعتبر ظن واتهام؛ لأنه لم يكون على الواقع، بعده لم يتحقق على الواقع؛ معاوية يقول: «خذوهم بالظنة، واقتلوهم بالتهمة» هذا منهج الحكومات الظالمة: منهج معاوية، منهج بني أمية! منهج علي لا.

 

منهج بني أمية منهج الظلمة: أمسكه، تشك فيه، يعتقله، يمكن يخرج مظاهرة يعتقله، والمظاهرة ليس فيها ظلم ولا شيء، لكن هي بالتهمة: أتهمه أن المظاهرة جرم وأعتقله! أتهمه خرج مظاهرة وأقتله أسفك دمه! وهذا منهج معاوية: «خذوهم بالظنة» ليس بالعلم، ليس بالدليل «وأقتلوهم بالتهمة» لا يحتاج إلى البينة!

 

«المتهم بريء حتى تثبت إدانته» لا، هذا لا يحتاج تثبت إدانته، أقتله بالتهمة! «وأقتلوهم بالتهمة» هذا منهج معاوية، هذا منهج بني أمية، هذا منهج الجاهلية، وهذا منهج الحكام الظلمة، منهج الملك العضود.

 

«وأوآخذ بالفعل قبل كونه» بالفعل قبل أن يكون! جماعة يخططون أن يقومون بانقلاب، افترض: خططوا لم بدؤوا، يخطط يقيموا له مظاهرة.

 

جماعة كانوا يقولون: يقومون اعتصام، يخططون؛ هاهم خمس ست سنوات في السجن! فكر يعتصم! فكر يقيم له اعتصام! لا زال يفكر يعمل اعتصام! أي عدالة؟ ظلم وجور، أي شرعية لهذه الحكومات؟

 

«كلا، والله لا عدلت عما أخذ الله» لا أميل «عما أخذ الله علي من الحكم بالعدل» شرط شرعية الحكم: العدالة، مِنْ دون عدالة لا شرعية للحكم وهكذا اجتمعت، وذهب الإمام علي وقاتل جماعة صفين كيف تعامل معهم؟

 

بالعفو، انتصر بعد أن أقام عليهم الحجة، وقبل ذلك هؤلاء في البصرة، ذهبوا للبصرة، هجموا على العامل، عزلوه، نتفوا -لحيته-، ضربوه ضرباً مبرحاً، قتّلوا الشيعة، قتّلوا الأنصار، زعزعوا الأمن.

 

الإمام علي جاء بالجيش، مسؤول عن حفظ الأمن الإمام علي، لكن ضمن ووفق العدالة: نصح الجماعة، أرسل إلى عائشة مَنْ ينصحها، نصح الزبير، نصح طلحة، نصح أهل البصرة، نصح، ونصح، ونصح فلم يستجيبوا؛ ومع ذلك ألتفت إلى قومه، إلى أصحابه قال: لا تبدؤوهم بالقتال، أتت النبل، جاءت السهام؛ أتوا للإمام علي، قالوا: رُمينا بالسهام، قال: كفٌّوا لا تبدؤوهم.

 

أتوا مرة ثانية قالوا: جُرحنا بالنبل، صار عندنا جرحى، أصابتنا السهام، قال: كُفّوا انتظروا، أتت جماعة قالوا: السهام، قال: انتظروا كفوا إلى أن يأذن الله، جاءت السهام وقعت قتلى؛ قُتلوا "بعد خلاص"، لاحظوا: جماعة معتدون من الأصل، ثم يعتدون، الإمام علي يقول: كفُوا، انتظروا، وانتظروا، وانتظروا، حجة أبلغ من حجة؛ أيوجد أيضاً أبلغ من هذه الحجة؟

 

هذه قوة النظام، ليس بهيبة الدولة "وخرط" أفكار جاهلية؛ عدالة إنسانية، هذا هو الإصلاح، هذا هو استتباب الأمن، وقتما لم يكفوا وصارت الجراح قال: كُفُوا، صارت القتلى قال: أبدؤوا على بركة الله، بعدها لا يوجد مجال، الآن قتلى.

 

وفي خلال ساعات وانتهت المعركة، قال لهم: عليكم بالجمل، هذا الجمل أعقروه «عرقلوه فإنه شيطان» وقال لمحمد بن أبي بكر: إذا عُرقِلَ الجمل فأختك خذها وأخرج بها.

 

وبالفعل وقع الجمل وصرخت عائشة صرخة؛ الأرض مسبحة بالدماء، أكثر من ستة عشر آلاف في ذاك الزمن؛ يعني أكثر من النصف من المقاتلين من جماعة طلحة والزبير قُتلوا بسبب عائشة! بسبب طلحة! بسبب الزبير! وكلهم يعلمون أنهم ظالمين لعلي، فدماءهم على رقابهم؛ هؤلاء أول مَنْ خرج على علي، على ماذا؟

 

على كرسي! على ماذا يا عائشة؟

 

عندها حقد وكرهٍ على علي بن أبي طالب على ماذا؟

 

أقرؤوا كتب السنة عائشة عندها حقد ومتحاملة على علي لماذا؟ ماذا فعل لك علي؟

 

نصر الدين، أساساً كرامتكم كلكم ببركة سيف علي، ونهج الرسالة، وأخلاق محمد، ومال خديجة؛ وإلا كانوا يأكلون القدد وما شابه.

 

مع ذلك الإمام علي: «فَلا تَهْتِكُوا سِتْراً، وَلا تَدْخُلُوا دَاراً، وَلا تَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئاً» لاحظوا: انتصر الإمام علي، وهذا قاله قبل أن ينتصر؛ هذا الكلام قبل قال: أحذروا، ليس أحداً يذهب للدار ألحقه وأقتله! ليس عندنا: تقتحم البيت وتهتك الأعراض؛ أليست هكذا الحكومات؟

 

هنا في الحرب، حتى الحرب قال: لا تهتكوا البيوت، ليس أحد يريدون يعتقلوه ظلماً وجوراً قاموا وهتكوا بيته وحريمه! تعامل: أنظر لسوريا، أنظر البحرين، أنظر عندنا، في كل مكان، من دون استثناءات؛ لا ترى إلا دخلوا مجرمين خونة، جهلة، أهل النار!

 

لاحظوا الإمام علي في حرب «فَلا تَهْتِكُوا سِتْراً» لاحظوا القيم، لاحظوا الحق، لاحظوا العدالة، لاحظوا الأمن «لا تجهزوا على جريح» -عندنا- وهو جريح عين عمد يقتلوه! يأخذوه من المستشفى ويقتلوه! في البحرين كم وكم قتلوهم! وفي سوريا! وفي ليبيا! جرحى يقتلوهم!

 

«فإذا هزمتموهم فلا تتّبعوا مدبراً» واحد شرد أتركه، خلاص لا تذهب تلحقه «ولا تكشفوا عورة، ولا تمثِّلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً، ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً» ماله.

 

هنا يسرقون الكمبيوتر، يسرقون الجوال، يسرقون المال، وما شاء الله على الحكومات! لا يكتفوا يأخذوا حتى لو عنده كم دينار، كم ريال، كم دولار أخذوها "رزلة" يعني ما هذه العقليات؟

 

لم يكفهم أن يقتلوا الناس، ويهتكوا أعراض الناس! «ولا تهيجوا امرأةً بأذى، وإن شتمن أعراضكم» سلام الله عليك يا أمير المؤمنين أين -سيرته-!

 

لاحظوا البحرين كيف امرأة شابة تلقي قصيدة تعتقل وتهدد بالاعتداء على عرضها! هذا الحكم لا شرعية له، ولا يجوز لأحد أن يبقى ببقائه، لا يجوز.

 

النظام الذي يهتك الأعراض لا شرعية له أبداً، ولا يجوز أن يرضى به حاكم أبداً: هذا نظام الخليفي، ونظام آل الأسد، ونظام القذافي، هذه الأنظمة التي: تسفك الدماء، وتعتدي على الأعراض، وتهتك ستر الأعراض؛ لا يجوز لأحد أن يبرر لها بأي شيء كان، لا يجوز؛ انتهى.

 

يعني إذا بالأمس ممكن الواحد يقبل بقاء النظام، باعتبار حفظ النظام العام؛ أما حينما تنتهك الأعراض فلا، حينما تنتهك الأعراض، وتسفك الدماء انتهت كل شرعية النظام، وكل صلاحيته للبقاء؛ لا توجد ذرة لصلاحية بقاء مثل هذه الأنظمة.

 

«وإن شتمن أغراضكم» يعني «ولا تهيجوا امرأة بأذى» لا تأذيها، حتى لو شتمتك «وسبَبَن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهم ضعفاء» أليس هذا؟

 

يقولون كانوا أيام الشرك الواحد يضرب امرأة «يعير بها ويعير بها عقبه» هذه إذا حصلت، نظام يضرب النساء معناها ماذا؟

 

لا البداوة تقبل، لا العروبة تقبل، لا الإسلام يقبل، لا الشرك يقبل، مشركون لا يقبلون، أصبحوا أحسن منهم؛ هؤلاء الذين يدعون الإسلام، واللهِ المشركون الذين يحترمون أعراض النساء أفضل منكم، وأنتم الذين تشركون بالله؛ هذا جانب.

 

وانتصروا والإمام علي عفا، قال: عفا.

 

جاءت عائشة قالت لأخيها محمد بن أبي بكر: أستأمن لي على عبدالله بن الزبير، ذهب للإمام علي أتى به قال: آمنته وآمنتهم كلهم، «كل مَنْ دخل داره فهو آمن، كل مَنْ وضع سلاحه فهو آمن» آمنهم كلهم.

 

حتى جماعة استشكلوا على علي بن أبي طالب، أنت لم تعدل، لماذا لم تعدل؟

 

قالوا: لم تقسم النساء والأولاد والدور، فقط الذي في المعركة نأخذ! لم تجعلنا نأخذ الذي هناك، قال: أنا لم أعدل!

 

معركة هذه للمسلمين ولا يجوز، هؤلاء على الفطرة كانوا، وهذه أموالهم؛ قال لهم أحد منكم يأخذ عائشة تفضلوا!

 

أتريدون تتقاسمون النساء؟ مَنْ منكم يريد أن يأخذ عائشة؟

 

سكتوا، قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين نحن أخطأنا، كانوا بأمان.

 

أتوا له ابن عباس ليستأمن مروان بن الحكم، قال له دعه يأتي، وجاء مروان بن الحكم؛ استشفع بالحسن والحسين أن يؤمنوه، قال: آمنته، قالوا له بايع قال: في النفس شيء، قال: النفس علمها عند الله؛ مدّ يده، قال لا حاجة لي ببيعته، قال: هذه يدّ يهودية ألم يبايعني ونكث!

 

لو بايعني عشرين مرة لنكث، وأتى قال: هؤلاء أولاده مجتمع الأمة الإسلامية سيرى الويل، سيرى اليوم الأحمر من أربعة من حكام أولاده؛ وأقرؤوا التاريخ ولاحظوا، أولاده الأربعة: عبد الملك وما شابه، ماذا فعلوا في الأمة الإسلامية من ظلم وجور، هذا حكم بني أمية، هذا حكم الطغاة؛ لا ينسجم حكم الطغاة إلا مع بني أمية، لذلك حكم التشيع لا ينسجم معهم.

 

بعد ما أنتصر الإمام علي «لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن» كلهم: كل واحد من هذه القبائل آمن، هؤلاء جماعة.

 

أيضاً جماعة معاوية: هذه فقط لقطات، جماعة معاوية أتوا أخذوا الماء، معاوية قال: هذا أول الظفر، وصل قال: لا يشربون منه ولا قطرة.

 

الإمام علي خطب خطبة قال للجماعة: هذا الماء لابد الآن تستعدوا؛ دارت الدائرة، أخذ الماء الإمام علي؛ الجماعة قالوا مثلما حرمونا نحرمهم، قال الإمام علي بن أبي طالب: لا، دعوهم يشربون؛ سقاهم، جيش يحاربه! قال: دعوهم يشربون، ويسقون، ويروون, وما شابه؛ لم يكن يعاملهم بالمثل.

 

هذا علي بن أبي طالب، هذه العدالة، هذه الرحمة، هذه الكرامة، هذا هو الحكم الشرعي والمعارضات غير مشروعة، وليست معارضة شرعية.

 

نحن عندنا الآن معارضات شرعية في واقعنا اليوم، ولاحظ الحكومات والعياذ بالله الغير شرعية كيف تتعامل، لكن هذا عفو علي، وهذه أخلاق علي؛ أيضاً.

 

نأتي للحروريين: الإمام علي كان يخطب، الجماعة صار الصلح، رفعوا المصاحف؛ الإمام علي قال لهم: «أنا القرآن الناطق» لا عليكم، قالوا: لابد تصالح! عقد الصلح؛ بعدما صالح الإمام علي قالوا: تعال لابد تأتي لتنقض! هل على كفكم؟ لعبة!

 

قالوا: الإمام علي كافر، فلابد يتوب، لابد يعلن توبته! تجمعوا؛ الإمام علي كان يخطب، هناك في المعركة تكلم معهم ابن عباس، ورجعوا مع علي بن أبي طالب، وقالوا: الإمام علي تاب، لكي يبررون موقعهم، قالوا: الإمام علي أعلن توبته.

 

الإمام علي في يوم الجمعة صعد المنبر في خطبته وبيّن، تكلم؛ وكان رؤساءهم موجودين، وقام واحداً من الخوارج، من المارقين، قال: لا حكم إلا لله؛ سكت عليه السلام، والإمام علي يخطب، على المنبر!

 

أيقدر فيكم أحد! حاكم موجود، يخرج لا ترى له أثر! لا ترى له أثر لو أحداً يعترض! في مجلس خاص يعترض لا ترى له أثر! ليس أيضاً في مجالس عامة!

 

على المنبر قال: لا حكم إلا لله، سكت الإمام علي، قام آخر قال: لا حكم إلا لله، قام ثاني، ثالث، رابع، خامس، تجمعوا تكاثروا؛ تمادوا واحداً من هنا، وواحد من هناك، واحد من هنا؛ مظاهرة على الأمير! الحاكم العادل وفي الصلاة، خطبة الجمعة؛ لا حكم إلا لله.

 

الإمام علي أشار لهم اسكتوا، أشار لهم بيده استريحوا؛ الإمام علي قال: «الله أكبر؛ نعم، لا حكم إلا لله، كلمة حق يراد بها باطل، حكم الله انتظره فيكم».

 

لأن هؤلاء قسم منهم بالفعل سيخرجون فقط حينما يأتي حكم الله، حينما يبدؤون بالقتال؛ هناك الإمام علي ينتظر أن يبدؤوا بالقتال حتى يروا حكم الله فيهم، لكي يعرفون حكم الله.

 

يوجد كلمة عند الإمام علي: «هؤلاء يقولون: لا حكم إلا لله، نعم لكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله» ولذلك بايعوا ضباً أميراً عليهم.

 

«كلمة حق يراد بها باطل، حكم الله انتظره فيكم، إن سكتوا عممناهم» إن سكتوا مثلهم مثل غيرهم من الناس «وإن تكلموا حاججناهم» اعترضوا الحجة بالحجة، ليس إذا تكلم بالسيف! ليس بالسجن! ليس بالقتل! يتكلم نحاججه الحجة بالحجة.

 

«وإن خرجوا علينا قاتلناهم» إذا خرجوا قاتلونا ذاك الوقت، ما لم يخرجوا للقتال أحرار؛ الحجة بالحجة، ومثلهم مثل بقية عموم الناس.

 

لاحظ الحاكم يُبين حق المحكوم، معارض غير شرعي، يقول له: مع ذلك لك حقوقك، أنا سأقول لك ما هو لك؟ أيوجد حكومة كذلك؟

 

هذه الحكومات الظلمة قائمة على الجور: «ألا إن لكم علينا ثلاث خصال: ألا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها وتذكروا فيها اسم الله» والمساجد كانت هي مركز لنشر الثقافات والنظريات وما شابه، مركز علم ومعرفة وتخطيط، وبرمجة للتنفيذ وما شابه؛ يعني مركز الحكم، بيت الحكم، المساجد هي بيت الحكم، قال: لا نمنعهم، يجلسون يتشاورون يتفاهمون، يبثون أفكارهم، يتناقشون؛ يتفضلوا أحرار.

 

«ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا» لا يوجد حصار اقتصادي، أيديكم مع أيدينا: يعني لم تكونوا جهة تنفصلوا عنا وتحاربونا، حتى لو كانت معارضة، معارضة يعطيها من الفيء مثلهم مثل غيرهم؛ يعني ثلاثة دينار هذا يعطي ذاك ثلاثة دينار، معارض تعطيه ثلاثة دينار؟

 

نعم يعطيه ثلاثة دينار.

 

«ولا أبتدئكم بحرب حتى تبدؤوا» الحرب لا أبدأكم إلا إذا بدأتم، إذا لم تبدؤوا لا يبدأهم بحرب؛ أين الأمن الوقائي؟ أين الحكومات هذه؟ هذا نموذج آخر.

 

بعد أن هؤلاء تآمروا، وصارت الحرب وقتلوا، الإمام علي قال: «لا تَقتلوا الخوارج بعدي» لماذا؟

 

هذه نظرية مهمة لابد نلتفت لها: «لا تَقتلوا» أو «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس مَنْ طلب الحق فأخطأ، كمن طلب الباطل فأدركه» ويقصد معاوية.

 

يقول: هؤلاء طلبوا الحق فأخطؤوا، لا يقصد مع الأمير، يقصد مع معاوية؛ معاوية يطلب الباطل وسيصل للحكم، هؤلاء يطلبون الحق العدالة ولن يصلوا، يكون مصيرهم إلى الموت، قال: لا تحاربوهم بعدي.

 

لأن لاحظوا الحكومات التي تدعي أن هؤلاء خوارج، والخوارج إذا أنطبق عليهم؛ لأن يخرج على الحاكم الظالم قالوا خارجي! واللهِ الحكومات أسوأ؛ لأن هؤلاء على الأقل يطلبون الحق، الحكومات هي أساس الباطل لذلك حذاري.

 

ماذا تعمل الحكومة، تأتي تأخذ العلماء، تأخذ الوجهاء، تأخذ الشخصيات الكبيرة؛ تجعله نائب وكيل عنه في محاربة معارضيها، لهذا الإمام علي يبيّن، قال: احذروا، معاوية سيحاربه الخوارج؛ فحذاري حذاري أحد منكم يحارب الخوارج، لأنه يُعين معاوية «لا تقاتلوا الخوارج بعدي» لأن مَنْ سيحاربهم سيعين الظالم، الحاكم الظالم.

 

لذلك معاوية أتى للإمام الحسن قال له: هؤلاء أعداءك وأعداء أبيك تعال قاتلهم، الإمام الحسن رفض، قال: «ليس مَنْ طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأصابه وهو أنت يا معاوية» فخرس معاوية.

 

يعني رأوا معاوية يريد الإمام الحسن، مثلما تعمل الحكومات: أين فلان عالم له تأثير على المجتمع، تعال دعه هو يضرب المجتمع! مجتمع يعارض ويطالب بحقوقه، النظام ضعيف أمام القدرة الاجتماعية، بماذا يتقوى؟

 

بالشخصيات الاجتماعية تعالوا أضربوا بعضكم البعض! لذلك حذاري على الوجهاء، وعلى العلماء؛ فلتكن لهم عبرة ودرس من حياة الأمير ومن حياة الإمام الحسن، يعرفون عقلية معاوية أي مبرر لا يقبل، مصلحة وكذا كذباً وزوراً.

 

إذا تريد مناصب أذهب قل أريد منصباً، لا تقول الناس، لا تقول الطائفة، لا تقول المجتمع، سفك دماء والعياذ بالله؛ يعني الآن حينما نأتي نقرأ الساحة، ماذا في ليبيا؟

 

آلاف قتلوا من أجل أن يبقى القذافي على الكرسي، في سوريا أكثر من ألفين قتلوا، عشرات الآلاف في المعتقلات من أجل ماذا؟

 

من أجل أن يبقى آل الأسد على الكرسي على جماجم البشر، في البحرين خمسة وثلاثين هذه نسبة، العدد قليل؛ لكن النسبة لعدد السكان أكبر نسبة، ولا أكثر منها إلا في ليبيا باعتبار حرب؛ يقتلون، ويفصلون من الأعمال، وبعدها يأتي لك معمم ينتقد المعارضة ويمدح الحكومة! "تف عليك" نذل، لعين، خبيث، ألا تستحي، أهذا شيعي؟

 

هذا من شيعة بني أمية، حتى لو رأيت عليه عمامة، هذه عمامة الحجاج؛ يأتي يدافع عن النظام الخليفي الباطل، سفاك الدماء، مَنْ يسفك الدماء تنتهي -شرعيته-؟

 

لذلك النظام في اليمن، وفي البحرين، وفي سوريا، وفي ليبيا؛ هذه الأنظمة التي سفكت الدماء لا صلاح لبقائها أبداً، وأي شخصية تقف معها تقف مع الباطل، تقف ضد الناس، ضد الشعب.

 

يقول الإمام علي سلام الله عليه بين في سفك الدماء ويحذر من سفك الدماء، يقول لمالك الأشتر: «إِيَّاكَ وَاَلدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ وَ لاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَ لاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَاِنْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ اَلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ اَلْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ اَلدِّمَاءِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ» أول ما يقتص يوم القيامة يقتص لأصحاب الدماء «فَلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ؛ بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اَللَّهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ اَلْعَمْدِ لأَنَّ فِيهِ قَوَدَ» هذه الأنظمة التي سفكت الدماء: في اليمن، وفي البحرين، وفي سوريا، وفي ليبيا؛ هذه لابد تزول، لابد يُسرع في زوالها، وعليهم القود والقصاص.

 

تريد درجة أدنى: أنظمة تعتقل، مثلما عندنا نحن هنا: الاعتقال شيء على الهامش، هؤلاء سفك مرة واحدة، سفك وصلوا إلى العالي بسفك الدماء؛ نحن عندنا جماعة يعتقلون، وعلى أي أساس تعتقلون؟

 

نهج علي لا يجيز الاعتقال: الشيخ العامر يطالب بحقوق يعتقل! يُنتظر تهدأ الجماهير من غضبها فيُعتقل في شهر الله! يُنتهك شهر الله باعتقاله ظلماً واختطافاً كما هي العصابات!

 

وفاضل المناسف يعتقل وأهله لا يتمكنون من زيارته! والبجادي لأنه يكشف ظلماً في السجن، ويكشف مَنْ يقتل تحت التعذيب يعتقل!

 

وهكذا الآلاف تملأ السجون بالآلاف، وتسعةٍ منسيين بتهمة زوراً، أكثر من خمسة عشر عاماً يبقون في الاعتقال، وبأي أساس، بأي مبرر، بأي حق!

 

نحن مسؤولون عن الدفاع عن هؤلاء: بكلمة العدل، بكلمة الحق، والعمل المشروع؛ مسؤولون، يجب علينا أن نقول كلمة حق، من أجل تخليصهم، ونعمل بقدر ما نتمكن من أعمال مشروعة من أجل تخليصهم.

 

مَنْ يعتقلهم ظالم جائر، هؤلاء بأي حق؛ أليس عندهم أهالي؟ أليس عندهم أبناء؟ أليس عندهم زوجات؟ أليس عندهم ضمير؟ أليس عندهم قلوب؟ أليس عندهم عواطف؟ بشر!

 

يعني هذا الحاكم ليس عنده ضمير، لو عنده ضمير لم يعتقلوا وعمل هذه الذنوب!

 

سلام الله عليك يا أمير المؤمنين، نحن قرأنا قصته مع طلحة والزبير، جماعة يتآمرون ويعلم، يعلم بهم وتسفك الدماء، لا يعتقلهم.

 

وأيضاً الأمير سلام الله عليه حينما يؤتى له يُقال له: اعتقل، يقول: لا يسعني، يقول: لو اعتقلنا هذا وسجناه ملأنا السجون «ولا أرى أن يسعني ذلك» يعني لا يحق لي شرعاً، سجن غير مشروع؛ لا يجوز السجن في تهمة، إلا تهمة القتل ومدتها ستة أيام فقط.

 

المتهم برئ، نحن عندنا -في زمننا- منهج معاوية «خذوهم بالظنة، واقتلوهم بالتهمة» لذلك نحن عندنا معتقلين كنا نتوقع قليلاً يعني قليلاً! -يطلق سراحهم- أي إصلاح، غرروا بالناس!

 

أين الوجهاء الذين قالوا، وقالوا، وقالوا، سيبدؤون، ويبدؤون، ويبدؤون الإصلاح؛ حينما هدأت الناس أبقوا أولادنا في السجن!

 

هذا الوجيه ليس له حق ضد فلان يتكلم، وهذه العمامة ليس لها حق ضد فلان تتكلم لأنها وقفت مع السلطة ضد شعبها، خانت شعبها، أين أولادنا؟

 

كنا نتوقع على الأقل في رمضان يُطلقون كلهم بما فيهم التسعة، فضلاً عن الآلاف؛ لماذا لا يطلقون من السجون؟

 

لكلمة الحق قالوها، ولكن مع الأسف على هذه العمائم الخانعة، والوجهاء الخائنين: كل وجيه، وكل عالم، يوقف حراك الشباب من أجل استجابة للسلطة فهو شريك في الظلم مع السلطة؛ شبابنا ماذا فعلوا؟ هل دمروا، خربوا؟

 

لا، كلمة قالوا! في لندن خرجوا -متظاهرين- وفي لندن مظلومين: تمييز عنصري قتلوا واحداً ظلماً، الناس كسرت ودمرت؛ ونفس الأنظمة هناك يُنزلون لهم الجيش ويقتلوهم، بدل أن يعتذروا! وعلى نفس المنهج حكوماتنا، يعني الغرب نفس الكلام، نفس المنهج؛ على أي أساس! الناس تطالب بحقوقها، وإلى متى يبقى أولادنا في السجون؟ وإلى متى ينسوا؟

 

لا لن ننسى، لا يمكن أن ننسى؛ سنتكلم ونتكلم، وإذا اعتقلنا سيعتقل إخواننا وأبناءنا، فلتمتلئ السجون إلى أن تسقط كل الأنظمة التي تتخذ السجن وسيلةً لقمع الشعوب.

 

وإذا سفك الدم سيكون عندنا استعداد لنضحي بدم أكثر، إذا أحد قتل إخوانه ليقولون عندنا استعداد؛ أصدقاءه أقرباءه يقولون: عندنا استعداد، هذا الذي يكسر شوكة الأنظمة.

 

وإذا الأنظمة تستخدم الاعتقال أيضاً، كذلك إخوانه لابد يكونون حاضرون أن نعتقل، أبناءه أقرباءه يقولون: حاضرون أن نعتقل، أصدقاءه يقولون: حاضرون لو اعتقل أصدقاءه أن نعتقل؛ ماذا هل يخفونا بالاعتقال، أو يخفونا بسفك الدماء؟ بماذا يخيفوننا؟

 

لا نهاب إلا الله، ولن نركع إلا لله، شعارٌ قالته زينب يدوي في الشام: «لن نركع إلا لله» ذاك المقر للأمويين اليوم يرفع شعار زينب، تلك الكلمات التي أعطتها في وجه يزيد، كلمات صارخة تدوي إلى يومنا هذا: «فكد كيدك، وأسعى سعيك، فوالله لا تمحوا ذكرنا» نهج السماء نهج علي، بذكراه نحييه سنة وشيعة يكونون شيعة علي في هذا المنهج: في رفض الظلم، في تبييض السجون، تطهيرها من المعتقلين الأبرياء؛ سنة وشيعة في كل مكان، بأي حق يُعتقل إنسان، مَنْ أنت لكي تكبل الناس لأجل حريتك على حساب حرية الآخرين؟

 

لذلك نحن مسؤولون عن كل معتقل، مسؤولون أن نعينه على تخليصه، كل معتقل برئ، مسؤولون عن تخليصه: بكلمة عدل، بكلمة حق، بعمل مشروع.

 

نسأل الله أن يفرج عن معتقلينا في شهرنا المبارك هذا، ويحقق لهم حريتهم، ويسعد قلوب آباءهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبناهم وإخوانهم وأصدقاءهم برؤيتهم؛ إنه سميع الدعاء.

 

اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

 

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 

 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
مسيرة النمر في خطر بالعوامية 8 مايو 2015م  42
صوتيات
بحوث العقل: (112) تشغيل بحوث العقل: (112)
نحن مع أهلنا في البحرين تشغيل نحن مع أهلنا في البحرين
1- مسئوليتنا في عاشوراء الحسين (عليه السلام). 2- أربعة أمور لابد من تكريسها في العام الجديد. تشغيل 1- مسئوليتنا في عاشوراء الحسين (عليه السلام).   2- أربعة أمور لابد من تكريسها في العام الجديد.
حذاري أن تتكلموا على الشهداء تشغيل حذاري أن تتكلموا على الشهداء
تأملات في خطبة المتقين (32) تشغيل تأملات في خطبة المتقين (32)
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 14
زوار الموقع 8573227