شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / البحوث القرآنية
(4/خ): رؤى في آيات الصوم (4)
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر | 2014-07-15| Hits [11405]

 

رؤى في آيات الصوم (4)

 

سورة البقرة: آيـة (183-184)

 

الاستماع للمحاضرة صوتية:

 

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 183-184، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

{فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} البقرة: 184، وصلنا إلى هذه المقطع من الآية، بعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى وجوب الصيام، وأن الصيام في أيام معدودة، وأن الصوم واجب؛ لكن هناك مجموعة من الأشخاص يسقط عنهم الوجوب، بل يجب عليهم ترك الصيام، وقسم يجب عليه القضاء، وقسم يجب عليه الفداء، وقسم يجب عليه الفداء والقضاء.

 

المريض والمسافر يجب عليه أن يفطر ثم يقضي بعدد الأيام التي فطر فيها، الذي لا طاقة له والصوم يجهده، يشق عليه، يتمكن من الصيام؛ لكن الصيام يشق عليه، يحتاج أن يبدل كل طاقته حتى يتمكن من الصيام؛ هذا قسمان: الرجل الكبير وذو العطاش، هذا يكفي فقط يجب عليه الإفطار، ومن ثم الفداء عن كل يومٍ بمدٍ من الطعام؛ أي سبعمائة وخمسين غراماً، ما يشبع جائعاً؛ والقسم الآخر: كالحامل المقرب وقريب تضع، أو المرضع قليلة اللبن؛ هاتان يجب عليهما أن يفطرا، وبالتالي يفديا، ومن ثم القضاء.

 

والفارق بين هذين وبين الشيخ وذو العطاش: أن الشيخ وذو العطاش بلغوا إلى درجة لا يتمكنون من الصيام حتى فيما بعد، أما بالنسبة إلى الحامل وبالنسبة إلى المرضع بإمكانهما أن يصوما فيما بعد؛ ولذلك وجب الفداء بدلاً عن الصوم، ووجب القضاء لأنهما يتمكنان من القضاء فيما بعد؛ أما الكبير لا يتمكن من القضاء لذلك لا داعي للقضاء.

 

{فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} الفداء: مُدٍّ من الطعام، الذي يريد يتطوع؛ التطوع: يعني هو إتيان الفعل من دون كلفة أو بإرادته من دون إلزام، الواجب فيه إلزام، فيه كلفة، وإن كان يريد؛ لأن أمر الله، لكن ملزم به؛ المستحب قد يكون فيه كلفة، أو قد لا يكون فيه كلفة لكن غير ملزم؛ التطوع: هو تعبير في القرآن عن إتيان المستحبات، يعني الأمور التي من دون إلزام

 

* معنى التطوع في الآية:

 

المعنى الأول: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} أي بدل أن يعطي مد، يعطي مدين؛ بدل أن يعطي مسكين، يعطي مسكينين؛ هو واجب عليه مد لمسكين، يريد يعطي مُدين لمسكين، يريد يعطي مدين لمسكينين، هذا أمر باختياره وله الخيار؛ وهو خير له {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} هذا معنى.

 

المعنى الثاني: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} يعني بعد شهر رمضان، الصيام واجب، ويجب على الإنسان أن يصوم في أيام معدودة، محدودة؛ تأتي بعدها الآية الأخرى تبين الأيام المعدودة شهر رمضان، لكن أيام معدودة.

 

أحدٌ يريد يتجاوز هذه الأيام المعدودة ويصوم، يقول أيضاً جائز له، يُشَرع؛ ليس تشريع بدعة، ليس محرم؛ وإنما يجوز له أن يصوم صوماً مستحباً، والصوم المستحب هو خير له؛ لأن هذه التكاليف الواجبة فيها فوائد ومنافع كبيرة، ولكن الله سبحانه وتعالى تيسيراً على أضعف العباد جعل هذا المقدار من الواجبات، وإلا بإمكان الإنسان أن يأتي بتكاليف أخرى.

 

لذلك الله سبحانه وتعالى لم يلزمها، وإنما جعلها طوعاً؛ باختيار الإنسان ومن دون إلزام، لكي يحظى بمنافعها في الدنيا والآخرة {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} في الدنيا: يتعلم الصبر، والإرادة، والسيطرة على النفس، والشهوات وما شابه؛ وفي الآخرة: الثواب.

 

في الدنيا بالنسبة للعطاء: يتعلم على غلبة النفس، ومعالجة الشح، والعلاقات الاجتماعية الطيبة، ومحبة الناس؛ وفي الآخرة الثواب الجزيل.

 

{فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} قاعدة عامة: الصيام خيراً للبشرية، قد يجد فيه الإنسان -تعب- الصوم الواجب والمستحب، إنسان يقول لماذا الله فرض علينا الصيام وثلاثين يوماً نجوع من الصباح إلى الليل، فيه كلفة، وفيه مشقة، وفيه تعب، فيه مس الجوع، مس العطش وما شابه؟

 

يقول الصوم خير لك: «لو علم الناس ما في شهر رمضان لتمنوا أن يكون العام كله رمضان» كما في الروايات، لو يعرفون الناس ويتطلعون ويرون ويشاهدون عياناً فوائد الصوم التي لا يمكن أن يراها الإنسان في هذه الدنيا، يرى بعضها؛ لأن في يوم القيامة لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ فوائدها جمةً، فضلاً عن الدنيا، حتى في الدنيا: ضعف الإنسان يقويه من خلال الصوم في كل مجالات الحياة.

 

لكن مع الأسف لا نعرف هذه الفوائد، سآتي من باب مثال في الرؤى، لكن أنا آتي على أساس هنا في المعنى «الصوم خصاء أمتي» يعني النفس تدعو الإنسان وتجمح بالإنسان لارتكاب المعاصي، ارتكاب ما يذل الإنسان؛ يقول الصوم يمنعه، خصاء: يعني يمنع «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنه له وِجَاءٌ» وجاء يعني خصاء: يعني مِنعة، الصوم يمنعه من ارتكاب المحرم؛ شاب عنده شهوة جنسية قوية تدعوه لارتكاب المحرم، أو تشغل ذهنه، يقول له: صُم، تخرج من هذه الدوامة، وهذا الضعف، وهذه الأزمة النفسية، وما شابه؛ فهذا خير فضلاً عن الآخرة وما شابه.

 

بل الصوم في الدنيا يُلقى الحكمة، بالصوم يعطى الإنسان بقدر من الحكمة؛ لأن المانع من الحكمة الأهواء والشهوات، كثرة الأكل «إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة» كما في الروايات، فبالتالي هذا الأكل بالشبع يعطل تفكير الإنسان، يؤثر على تفكير الإنسان.

 

حينما يصوم الفكر ينطلق، هنا يكون أمامه آفاق، حتى لو تعب وجهد في التفكير؛ طبعاً -إذا- أحد لا يأكل أبداً ذاك غير، يحتاج إلى نوع من الأغذية حتى يفكر وأفضل، نوع الغذاء لكي يفكر؛ لكن يحتاج إلى شيء بسيط، لكن مركز؛ فهذا حينما لا يملئ معدته هذا تفكيره ينفتح للآفاق، يوجد حجب تمنع انطلاق التفكير.

 

فبالتالي الصوم خير لهذه البشرية {وَأَن تَصُومُواْ} يعني والصوم {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} لو كنتم تعلمون فوائد الصوم، ومنافع الصوم في الدنيا والآخرة، لألتزمتم بالصوم لما فيه الخير الجزيل؛ هذا معنى عام للآيات وبعض الأحكام في هذه الآية.

 

* رؤى من الآيات:

 

الرؤية الأولى: لابد أن يكون هناك تسهيل في ذهن الإنسان للتكاليف: التكاليف فيها صعوبة، وهذا ذكرناه فيما مضى، لكن هنا أيضاً تؤكد عليه الآية: حينما قال الله سبحانه وتعالى {أَيَّاماً مَّعْدُودَات} لكي يخفف، واحد يقول: صوم طول السنة، ما الذي يقدرنا؟

 

الآن أناس يقول متى ينتهي رمضان! وهم لتوهم يصومون، فهذا التفكير يثقله؛ فحينما الله سبحانه وتعالى قال {أَيَّاماً مَّعْدُودَات} لكي ماذا؟

 

يسهل الأمر على هذا الإنسان، نحن حينما نريد أن نقوم بعمل دعه في ذهنا أن هذا العمل يمكن الأداء.

 

بمعنى آخر: إلغاء نظرية الاستحالة أو الصعوبة التي لا تمكننا من أداء الشيء، لا تقول: هذا لا أتمكن منه، بل بإمكانك؛ لهذا الله سبحانه وتعالى قال الصوم في المرة السابقة، في الآية السابقة على غيركم، هذا الصوم ليس جديداً وغيركم قام به؛ فأنتم أيضاً تستطيعون أن تقوموا به.

 

هنا يأتي يؤكد أيضاً على النظرية، يقول هي {أَيَّاماً مَّعْدُودَات} كلها فترة وتنتهي، يعني مثلاً: واحد الآن لو نأتي نقول له: تعال عندنا برنامج ندوات كل ليلة على طول حياتك، ندوات ساعتين؛ ثقيلة عليه! قل له: نريدك ليلة في هذا الشهر، ليلة واحدة تحضر؛ ألا تكون سهلة أو ليست سهلة؟

 

أما تقول له طول السنة ثقيلة! فأنت حينما تحدد {أَيَّاماً مَّعْدُودَات} يخفف هذا في الذهن، هذا تخفيف؛ هذا الأمر الأول.

 

الرؤية الثانية: أيضاً لابد من حصر العمل، لابد أن نحدد؛ اليوم الدول يعملون خطط: خطة خماسية، خطة سباعية، وخطة كذا، وما شابه؛ لكي ماذا؟

 

يكون المجال محدد، أيضاً نحن عندما يكون عندنا أعمال لابد أن نبرمج بقدر ما نتمكن إلى متى هذا العمل، طبعاً في بعض الأمور على طول الحياة: الإنسان يصلي إلى آخر يوم، في بعض الأعمال الحج مرة في العمر، الصوم شهر في السنة، الصلاة يومياً خمس صلوات في اليوم؛ على حسب نوعية العمل.

 

يعني ليس المعيار دائماً: العمل قصير، بل ممكن عمل قصير، ممكن طويل، ممكن إلى آخر يوم في حياة الإنسان؛ لكن بالتالي لابد أن نحدد ما يمكن تحديده.

 

يعني مثلاً لهذه الفترة يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، أو ينهي هذا المقدار من العمل، من هذه الفترة لهذه الفترة كذا، يكون تحديداً لفترة معينة {أَيَّاماً مَّعْدُودَات}.

 

الرؤية الثالثة : التكليف أو العمل تارةً الإنسان تكون عنده قدرة على أداءه، تارةً تكون هناك عوائق، عندما يكون هناك عوائق لابد أن يتوقف عن أداء العمل إذا لم يكن يقدر، أو يضعف؛ لابد يكون هناك بديل في هذا العمل.

 

يعني أنا الآن أريد أقوم بهذا العمل صار عندي ضعف، أنا حينما أصر على مواصلة الطريق قد أنهار؛ على حسب تعبير الرواية: «الْمُنْبَتُّ لا أَرْضاً قَطَعَ، وَلا ظَهْراً أَبْقَى» المنبت: يعني الذي يواصل الطريق من دون توقف.

 

ركب الدابة أو مثل الآن سيارة واحد يمسك سيارة ويسوق مثلاً آلاف الكيلومترات من دون توقف! الوقود ينفذ، الماء ينتهي، الحرارة ترتفع، الإطارات ترتفع حرارتها، وقابلة للانفجار وما شابه؛ فلابد يكون توقف.

 

فالإنسان حينما يعمل عملاً ويلحظ أن هناك قدرته ضعفت، بأي سبب من الأسباب هنا ليس لابد أن يبدل فوق طاقته {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} طه: 1-2، له حدود، له قدرة؛ بالتالي حينما أنا أُكلف بعمل أو أقوم بعمل ليس فيها مجاملات، أنا ليس عندي قدرة أقول هذه قدرتي وهذه طاقتي.

 

يعني بمعنى آخر: قليل يدوم خير من كثير لا يبقى، لذلك الله سبحانه وتعالى حينما رأى هذا الإنسان مريض قال له: لا تصم، لأن لو يكمل الصيام يزداد المرض، وبالتالي قد يفقد القدرة على الصيام في السنين القادمة كذلك، أو يصاب بكساح، أو يصاب بمرض مزمن، أو ما شابه؛ يقول له: لا، أفطر وتنعم ثم تأتيك القوة والقدرة، وأرجع أقضي.

 

بالتالي يبقى يواصل العمل هذه لابد الإنسان يتعلمها، يعني البرامج الأعمال لابد حينما نضعف، نتوقف، ونوجد البديل.

 

الرؤية الرابعة: أنا ليس عندي قدرة على هذا العمل، يكون عندي قدرة على عمل آخر؛ يعني لاحظوا بمعنى آخر: نحن طلبة في الحوزة، أنا من باب مثال آتي على أساس واضح: إنسان عنده قدرة يصل إلى المرجعية، يصل، يذهب يسعى؛ ليس عندي قدرة أصل للمرجعية، هل أتوقف؟

 

لا، أنا عندي قدرة أصير خطيب، أصير كاتب، أصير مرشد اجتماعي، أصير ما شابه، هذا من باب مثال؛ فبديل يوجد، لا أتمكن على هذا، أقدر على غيره: برنامج وعمل رسالي ديني، عدة أعمال، أنا ليس عندي قدرة أقوم بهذا الدور، دور آخر أقدر أقوم به.

 

فلابد أن نبحث عن دور بديل، إذا أنا عجزت عن دور، رأيت ليس عندي طاقة في دور، لا يعني أن أتوقف عن العمل؛ وإنما لابد أبحث عن دور عندي قدرة وإمكانية أقوم به.

 

لذلك لا يوجد أحد إلا ويستطيع، إلا ما نذر، ما من أحد إلا ما نذر إلا ويستطيع أن يؤدي دوراً ما خدمةً لدينه في هذه الحياة، لو كل إنسان قام بالدور الذي يتمكن منه كان الوضع طبيعي.

 

وبالتالي أيضاً الرؤية الخامسة: أنا لابد أضع نفسي في موضعي: حينما يكون هناك عمل، أنا لا أقدر أؤدي هذا العمل، فلان يقوم به؛ أنا أقول لابد أعمل عملاً مثله وإلا لا أعمل! لا، ذاك العمل وذاك الإنسان صار محترماً! لا، أنا أقوم بعمل آخر؛ أما أقوم بذلك العمل الذي لا أستطيع عليه، أو أخربه، أو أتوقف! لا.

 

بالتالي أنا لابد أن أضع نفسي في الموضع الذي يناسبني حسب قدرتي، وحسب إمكانياتي.

 

إذاً لابد من وجود بدائل في الأعمال لاحظ: الصوم بدله قضاء، الصوم بدله فداء، الصوم بدله قضاء وفداء وما شابه؛ ممكن إنسان يعطي بدلاً وغداً يرتقي، مثل هذا الذي يفدي ثم يتمكن من الصيام، أنا اليوم أقوم بهذا العمل، يأتي ذاك العمل الكبير لا أقدر، العمل الصغير أقدر؛ وبالتالي في المستقبل أقدر آتي بذاك العمل الكبير.

 

ضروري أن تكون هناك أعمال متنوعة وبدائل متعددة لممارسة دور لخدمة الدين، أنا أقدر أخدم الدين، أكون ولي مسجد، واحد آخر إمام جماعة، وواحد آخر يقرأ دعاء، واحد آخر يؤذن، واحد آخر يدعو الناس إلى للصلاة، وواحد آخر ينظف المسجد، وواحد آخر يخدم المصلين وهكذا؛ أدوار متعددة ما شاء الله، لا تستنكف من دور من الأدوار، لا تقدر على ذاك تقدر على الذي بعده؛ وبالتالي ما شاء الله تكون الحياة عامرة، ومجتمع عامر، وما شابه.

 

الرؤية السادسة: عندنا تكاليف وعندنا تطوع للذي يريد يبني شخصيته؛ طبعاً التكاليف تكفي لبناء شخصية معتدلة، التكاليف إذا التزم بها الإنسان تكفي لبناء شخصية معتدلة سوية؛ لكن إذا أراد أن يتقدم ويحظى بخير مضاعف عليه بالتطوع.

 

بالتالي نحن لابد أن نمرن أنفسنا على التطوع، لا نكتفي بالواجبات قدر ما نتمكن؛ لا يتمكن أحدنا يأتي بكل المستحبات، عندنا ما شاء الله الأدعية والصلوات؛ لكن بالتالي لا يكتفي بالواجبات، المستحبات لها دور في حفظ الواجبات والالتزام بالواجبات؛ لأن النفس تتروض، والذي يلتزم بالمستحبات لا يترك الواجبات، والذي يتخلى ويترك المكروهات يترك المحرمات، هذه تعطيه قدرة بقدر أو بآخر.

 

لذلك نحن بحاجة أن نلتزم بالتطوع ونربي -أنفسنا-، ولا نقول فقط كافي، الحمد لله واجب علينا، هذا خلاص أنا صليت الواجب، أنا صمت الواجب، أنا أعطيت المال الواجب، أنا وصلت الرحم الواجب وما شابه، لا.

 

صحيح أنت إنسان معتدل وسوي، لكن ترى هذا لا يكفي لبناء شخصية منطلقة، شخصية أفضل وما شابه؛ لذلك لابد أن نضم التطوع والأعمال المستحبة إلى التكاليف بقدر ما نتمكن، لأنها خير لنا.

 

صحيح الله لم يوجبها تخفيفاً، لكن فيها خير كما التكاليف فيها خير، المستحبات أيضاً فيها الخير الكثير، لكن نحن لا نعلم تلك الخيرات وما شابه؛ لذلك لابد أن نؤدي التطوعات.

 

الرؤية السابعة: حينما الإنسان يقتصر على التكاليف ولم يؤدي التطوع ليس عليه أي إشكال، لا تخرجه من الدين؛ إنسان مستحب لم يؤده، إنسان لم يصلي جماعة في المسجد، ليس عنده موقف؛ لكن عنده موقف من الصلاة وما شابه ذاك فيه خلل.

 

لذلك الروايات الإمام علي سلام الله عليه يلزم هؤلاء بالصلاة وما شابه مستحبة، ومن هذا القبيل؛ لأن هؤلاء عندهم موقف من الإمام، وبالتالي عندهم موقف من الدين؛ الإمامة فيصل الدين، كما هي النبوة.

 

لكن تارةًً واحد هو خسران، لكن فعلاً متدين، واحد لم يلتزم بالمستحبات، لم يصم يوماً في سنته مستحباً، لم يؤدي صلاة مستحبة، يبقى متديناً، له مكانته واحترامه، وله مكانة عند الله؛ فلا ندين هذا الإنسان وما شابه هذه الرؤية الأخرى.

 

الرؤية الثامنة: الصيام له فوائد كبيرة جداً جداً جداً، أنا تكلمت فيما مضى، وأتكلم الآن لإضافة: الصوم هو الصبر؛ لذلك يسمى شهر الصبر، وفي رواية «نصف الصبر» الصبر هو أفضل الخصال السلوكية في الإنسان، وأهم خصلة يحتاج إليها الإنسان.

 

لذلك تعالوا أقرؤوا آيات الصبر في القرآن ما شاء الله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة: 153، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} فصلت: 35، وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} القصص: 80، {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} آل عمران: 200، {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} وأيضاً {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر: 3، هذا النداء {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة: 249، وإنها كبيرة إلا على الصابرين، التكليف صعب؛ لكن مَنْ يستطيع عليه تكليف بهذا النوع؟

 

الصابرون هم الذين يستطيعون، الصوم هو الصبر، والصوم هو الذي ينمي الصبر لماذا؟

 

«الصبر صبران: صبر عما تحب، وصبر على ما تكره» إنسان يحب الطعام، يحب الجنس، عنده حلال جائز المتزوج الجنس بصورة عامة، الطعام حلال جائز؛ لكن يصبر عن تناوله فتتروض النفس {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ} يوسف: 53، كيف الرحمة؟

 

بترويضها «وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى» كيف التقوى؟

 

بالصوم { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ} البقرة: 45، أي الصوم، نحن نستعين على مشاكل الحياة، على صعوبات الحياة، على ترويض النفس، على مواجهة الأزمات، على التحولات والتغيرات، على التشكيك، على كل شيء؛ نستعين بالصبر يعني بالصوم.

 

فإذاً الصوم هو الذي يصنع الصبر «الصبر أم الفضائل» كيف نحصل عليه؟

 

من خلال الصوم، بالتالي إذا أنا صمت تغلبت على نفسي، وإذا تغلبت على نفسي تغلبت على الحياة أجمع «ميدانكم الأول أنفسكم، إن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن عجزتم عنها كنتم عن غيرها أعجز» كيف أتغلب على نفسي؟

 

بالصوم تتروض بالتقوى، التقوى يأتي من خلال الصيام {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ}البقرة: 153، استعينوا بالصوم على غلبت النفس، فإذا أنا تغلبت على نفسي تغلبت على كل الحياة «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» خلاص هذا نتاج الصوم {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} البقرة: 184، هذا.

 

ولذلك «لو علم الناس ما في شهر رمضان» ما في الصوم «لتمنوا» لأرادوا «أن يكون العام كله شهر رمضان» كله رمضان، ولرمضان فضيلة دون الشهور الأخرى؛ بل لا يقاس بالشهور.

 

ليس شهر رمضان أفضل، لا يقاس؛ لذلك هناك أشهر حرم، لم يعد منها شهر رمضان لماذا؟

 

شهر رمضان أكثر حرمة منها، في الرواية قال «لا يقاس» هناك أشهر حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب؛ أشهر حرم، لها فضلها؛ لا يجوز أن يبدأ القتال فيها، لها حرمتها، شهر رمضان ماذا؟

 

يقول شهر رمضان أكثر حرمة، لكن لا يقاس بها، ولشهر رمضان فضائل: القرآن نزل في شهر رمضان، فضلاً، فازداد فضلاً، واختير شهر رمضان لفضيلة القرآن: لأنه ينزل فيه، وهكذا الكتب، كل الكتب الأساسية نزلت من السماء في شهر رمضان: التوراة، الإنجيل، صحف إبراهيم، الزبور، صحائف إدريس نزلت في شهر رمضان.

 

شهر رمضان له فضيلة، كل ذلك ببركة الصيام، فلا يقاس به شهر من الشهور ببركة هذا الصوم، لا تدرون لماذا؟ يوجد شيء أكبر، ما هو الذي يميز الإنسان عن بقية المخلوقات؟

 

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الإسراء: 70، الإنسان في الرواية إذا أتبع عقله، وغلب عقله على هواه كان أفضل من الملائكة؛ وإذا أتبع هواه غلب هواه على عقله كان أسوء من الأنعام، أليس القرآن قال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} الفرقان: 44، أين المعيار؟

 

الشهوة، الحيوان عنده شهوة وليس عنده عقل، الملائكة عندهم عقل وليس عندهم شهوات؛ الإنسان حينما يتحكم في شهوته هنا يكون أفضل من الملائكة، يتبع عقله؛ الملائكة تتبع عقولها ليس عندها شهوة.

 

أما هنا يوجد مزاحمة للعقل: وهي الشهوة، أما الإنسان حينما يتبع -عقله- يكون أفضل من الملائكة، أما حينما يتبع شهوته ويَعرض عن عقله يكون أسوء من الأنعام لأن ليس عندها عقل تردعها.

 

فالإنسان بالصوم يسيطر على الأهواء والشهوات، فإذا سيطر على أهوائه وشهواته بلغ إلى درجة أعلى من الملائكة؛ لذلك {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} البقرة: 184، الصوم يرفعنا درجة أعلى من الملائكة، أعلى الدرجات، لهذا الصوم له خير.

 

لكن مَنْ يعلم أنه حينما يصوم بالفعل يصل إلى هذه الرتبة، وهذه الدرجة؛ حينما يصوم ويحقق فلسفة وهدف الصوم وهي: التقوى التي تروض النفس، وبالتالي يتحكم في أهوائه وشهواته، فيغلب نفسه، فيتحكم في أهوائه وشهواته؛ هنا يكون أعظم من الملائكة! أعظم من الملائكة.

 

بل يباهي الله به ملائكته، الملائكة يسجدون لهذا الإنسان كما سجدوا لآدم، يخضعون لهذا الإنسان كما خضعوا لآدم «عبدي أطعني تكن مثلي: أقول لشيء كن فيكون، وتقول للشيء كن فيكون» حينما الإنسان يتغلب على هواه، بل يُحدّث؛ المؤمن يُحدّث متى؟

 

الحواجب هي الشهوات، الإنسان لولا الأهواء «تحوط بقلب الإنسان لرأى ملكوت الله» كما في الروايات، الأهواء والشهوات هي التي تحجبنا، تمنعنا من رؤية؛ حقائق موجودة وما شابه، قدرة الإنسان ليس بجسده، قدرة الإنسان بإيمانه، بقدر ما يبلغ من إيمان.

 

فالصوم هو الطريق {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ}البقرة: 153، أي استعينوا بالصوم {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} البقرة: 184، هذه مجموعة من الرؤى، سأذكر هذه الرؤية لكي أختم لئلا نرجع له.

 

الرؤية التاسعة: وأختم نحن بحاجة إلى أن نتعرف على منافع وفضائل التكليفات: ولذلك نحن قلنا في البداية أن الأهم من معرفة الأحكام معرفة الأهداف، هدف الصلاة أهم من معرفة حكم الصلاة، معرفة هدف الصوم أهم من معرفة حكم الصوم؛ لأن الحكم وسيلة للهدف.

 

نحن مع الأسف ضيعنا الأهداف، وتشبثنا بالوسائل وفصلنها عن الأهداف؛ لذلك لا نحققها، لهذا الصوم لا نستفيد منه إلا جوع وعطش، الصلاة لا نستفيد منها إلا تعب، وهكذا الحج خسارة أموال وتعب وما شابه، لماذا؟

 

الأهداف مضيعة، لذلك {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 184،  لو نعلم كان عرفنا الصوم وتشبثنا به.

 

إذن عندنا جهل في أهداف هذه التكاليف، لذلك نحن مطلوب منا أن نتعلم أهداف التكاليف، ونرفع من مستوى أفقنا العلمي، الرشد بتعبير الروايات، وبتعبير أعلى الهدى {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة: 186، {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} الفاتحة: 6.

 

بالتالي نحن بحاجة إلى أن لا ننشغل بالصغائر، وإن كان مطلوب نعرف الأحكام، ليس معناه لا نعرفها؛ لكن أقول لا ننشغل بالصغائر على حساب الأهداف، بتعبير الإمام علي يقول «تمسكوا بالشجرة ضيعوا الثمرة».

 

الإمام علي في السقيفة قالوا: نحن أهل قريش؛ قريش شجرة، ثمرتها رسول الله وعلي بن أبي طالب سلام الله عليه هذه ثمرتها؛ تمسكوا بالشجرة قريش، الخلافة في قريش، الثمرة ضيعوها؛ هذه النخلة إذا لا تعطي ثمرة أفيها فائدة؟

 

الثمرة ليس فقط في الرطب، السعف وما شابه؛ وإن كان الرطب هو أهم الثمار، والشجر هذا ثمرته ينقي الجو، هذه ثمرة من الثمار؛ لكن إذا لم تكن هذه الثمار، ما الفائدة؟

 

«تمسكوا بالشجرة وضيعوا الثمرة» لذلك نحن نفس الكلام، تعال قضايا دقيقة، وتجلب لنا الوسوسة في الصلاة، والوضوء، وفي الصوم، وفي الحج، وضيعنا الأهداف؛ أليس هذا الذي نلاحظه؟

 

يقول: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 184، نحتاج نتعلم الهدف لكي نركز على الهدف، لا نغفل.

 

بالتالي نحتاج إلى فهم حقيقي للدين، فهم معمق لأهداف الدين، ولا نكتفي بالسطح، وإنما لابد نبحر ونغوص في الأعماق، إلى بواطن القيم.

 

لكي نصل ونعرف الأهداف الكبرى التي من خلالها تتكشف لنا الحياة، وتنقشع الغشاوة عن بصيرتنا، ونرى الله بالبصيرة التي توصلنا إلى منازل المقربين، ليس الأبرار بل المقربين، والصيام هو الخطوة الأولى لبلوغ تلك الدرجة العليا.

 

نسأل الله أن يوفقنا لصيام الصائمين، وقيام القائمين؛ إنه سميع الدعاء.

 

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
مراسيم تشييع والد الشيخ النمر 107
صوتيات
تأملات في مناجاة التائبين (13) تشغيل تأملات في مناجاة التائبين (13)
عاشوراء طوفان ثائر على الضمير المتبلد تشغيل عاشوراء طوفان ثائر على الضمير المتبلد
كلمة الحق في من قتل شهدائنا أمام السلطان الجائر تشغيل كلمة الحق في من قتل شهدائنا أمام السلطان الجائر
ماذا بعد عاشوراء (7) تشغيل ماذا بعد عاشوراء (7)
بحوث العقل: (021) تشغيل بحوث العقل: (021)
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 11
زوار الموقع 8421192