شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / كلمات المناسبات الإسلامية: شهر محرم
(21/هـ): ماذا بعد عاشوراء (7)
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر | 2013-11-27| Hits [10570]



 

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعداءهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم، في محكم كتابه الحكيم، بسم الله الرحمن الرحيم {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} الحج: 39 -41، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

وجاء في زيارة الإمام الحسين عليه السلام «أشهد أنك أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر» ماذا بعد عاشوراء؟

 

قلنا أن عاشوراء هي محطة وقود للتزود بالتقوى،  ويبدأ الانطلاق بعد عاشوراء لبناء إنسان رسالي، وأمة مؤمنة، ومجتمع إيماني قبل ذلك، وحضارة إسلامية رسالية، وأسرة سعيدة طيبة قبل ذلك؛ وذلك عبر تركيز ونشر مجموعة من القيم التي من خلالها تُبنى الأمة، من خلال إقامة الصلاة، ومن خلال قيمة العطاء.

 

فبعد عاشوراء لابد أن نبدأ مرحلة العطاء في جميع المجالات: العطاء المالي، العطاء الفكري، العطاء الواجهتي، العطاء النفسي وما شابه.

 

وعلى رأس ذلك هو العطاء الاقتصادي، لكي تتم تقوية المجتمع من خلال الأخذ بأيدي الضعفاء، ورعاية الضعفاء؛ الإمام علي عليه السلام يقول «القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له» هناك في المجتمع لا ريب حلقات ضعيفة يحتاجون إلى رعاية اقتصادية، الحاجة المالية تخرسهم مع ما عندهم من كفاءات أو قدرات يمكن أن يشاركون بها لبناء المجتمع، لكن الأزمة الاقتصادية التي تحوط بهم تحول بينهم وبين المشاركة لبناء المجتمع.

 

ولذلك لابد أن نبدأ في العطاء المالي لرعاية الضعفاء {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} الحج: 41، فالعطاء المالي له عدة معاني:

 

المعنى الأول: هو رعاية الضعفاء.

 

المعنى الثاني: هو تطهير النفس {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} التوبة: 103.

 

المعنى الثالث: الارتباط الاجتماعي والتماسك الاجتماعي، وهكذا معاني بليغة يعبر عنها بالعطاء المالي.

 

ولهذا القرآن يعبر عنه بشح النفس، هذه النفس شحيحة لا تعطي، فإذا كانت شحيحة لا تعطي يعني هذه النفس يصعب تربيتها؛ ولذلك بلوغ الحكمة يأتي مِنْ خلال العطاء المالي {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} البقرة: 269، يؤتي الحكمة مِنْ خلال العطاء المالي كما في سياق الآيات التي تحدثت عن تلك.

 

فالعطاء المالي يرفع مستوى الإنسان إلى قدرة التفكير السليم، لأن هذا الشح يمنعه من سلامة التفكير، يعميه عن رؤية الحقائق، يعميه عن البصر، يعمي بصيرته، فلا يرى الحياة حقيقةً على ما هي عليه وإنما يرى ظاهراً من الحياة.

 

لذلك لابد أن نبدأ بعملية تطهير النفوس من خلال العطاء، علموا الناس على العطاء: تعالوا أعطوا لأبي عبد الله، أعطوا لإحياء الشعائر الحسينية، تعالوا أعطوا من أنفسكم، من أموالكم، من جهدكم، من وقتكم.

 

يعني الإنسان دائماً وأبداً يشح بنفسه، بعطائه بماله وما شابه؛ لهذا لابد أن نبدأ الخطوة الأخرى: وهي العطاء المالي.

 

المجتمع يتحرك بعد عاشوراء، ويعلمنا الإمام الحسين الذي أعطى كل شيء: أعطى نفسه، أعطى أمواله، أعطى عشيرته، أعطى أصحابه، مِنْ أجل القيم.

 

فلابد أيضاً أن نتعلم من عاشوراء العطاء مِنْ أجل القيم، مِنْ أجل إحياء الشعيرة، مِنْ أجل سلامة المجتمع، مِنْ أجل تعاون المجتمع، مِنْ أجل الاستقرار الاجتماعي؛ لابد أن يكون عندنا هذه ونضحي.

 

فإذا المجتمع بدأ الخطوة الأخرى أيضاً، بدأنا مِنْ خطوة العطاء؛ شاب يعطي بقدره، يعطي مِنْ ماله، يعطي مِنْ نفسه، يعطي مِنْ جهده، يعطي مِنْ وقته.

 

هنا يعطي مِنْ أجل الأخذ بأيدي الضعفاء، تارة ضعيف مالياً، تارة ضعيف عقائدياً، تارة ضعيف سلوكياً؛ أنا أعطيه مِنْ أجل إخراجه مِنْ حالة الضعف إلى حالة القوة.

 

لذلك النقطة المركزية تكون العطاء، وعلى رأس ذلك هو العطاء المالي؛ شخص يقول ليس عندي! لابد أن تعطي، مَنْ يعطي مِنْ ماله قربة إلى الله تعالى سيعطيه كل شيء، الذي يعطي مِنْ ماله سيعطي روحه، سيعطي الأشياء الأخرى حينما يعطي.

 

لأن العطاء المالي صعب على النفس، لذلك لابد للإنسان أن يتعود أن يعطي من ماله؛ القضية ليست سهلة ليست هينة، الإنسان يقول: تفضل هذا لبناء مسجد، تفضل هذا لطباعة كتاب، تفضل هذا لنشر شريط، تفضل هذا لكفالة يتيم، تفضل هذا لمساعدة فقير، تفضل هذا لمشروع اجتماعي، مشروع ديني؛ صعب!

 

لأن المال قرين الروح، الإنسان نفسه شحيحة؛ فإذا تعلم على العطاء سيتمكن مِنْ تربية نفسه، فسيتمكن مِنْ الأخذ بزمام أمور نفسه؛ لذلك لابد أن نتعود على العطاء، حتى الطالب في المدرسة فليعطي ريالاً واحداً، يعطي خمسة ريال على حسب؛ كل واحد على قدرته يشارك في العطاء.

 

وتارة العطاء نجعله يكون في مجال آخر: العطاء لنفسه يشتري كتاباً لا يكون ممسكاً يعني شحيح، الكتاب لا يشتري لكن لإشباع البطن ما شاء الله يصرف ويأكل؛ لكن شراء ثقافة ليس عنده استعداد، لماذا؟

 

لأن هنا يكون عنده شح؛ الكتاب غالي، هو يشتري وجبة الطعام أغلى مِنْ قيمة الكتاب لكن يشتريها ولا ينتبه إلى غلاء الطعام، لكن فقط تقول له كتاب تراه يكون عنده شح!

 

لهذا يتعلم الإنسان أن يعطي ولو لنفسه فيشتري كتاباً لنفسه، شريطاً لنفسه، يستمع إليه يقرأه ما شابه؛ وإن كانت النقطة المركزية أن يعطي غيره، يعطي الفقير، يعطي المحتاج، يعطي الضعيف، لأن هذا العطاء هو فقير للنفس.

 

لذلك لابد أن نبدأ خطوة العطاء للتمحص وللتماسك الاجتماعي، نحن حينما نعطي الفقير لا يبقى فقيراً؛ وهذا سبب انحراف هذا الشاب وهذه الشابة قد يكون الفقر، هذه تبيع عرضها مِنْ أجل حاجة المال تارة، وهذا يذهب وراء المخدرات بسبب حاجته إلى المال؛ لم يحصل مَنْ يرعاه مالياً، تعلق بحب المال بسبب حرمانه من المال ففسد في المجتمع!

 

فلابد أن نتعلم العطاء لكي نصلح أولئك، لكي لا يضيعوا شبابنا، لا يضيعوا شبائبنا؛ وهكذا هو الإنسان بحاجته إلى المال يكون مُخبراً ضد مجتمعه! بسبب حاجة للمال! تفسه نفسه وتكون نفسه خسيسة!

 

لهذا لابد أن نعطي مالاً، لكي لا نعرض مجتمعنا لمنزلقات تدمره؛ لابد أن يتعلم على العطاء حتى ولو كنا لا نملك إلا القليل، نعطي القليل وغداً سنملك الكثير، حتى نتعلم وإذا تعلمنا الآن نعطي، حينما نملك الكثير سوف نعطي.

 

أما الآن لا أعطي حينما أملك الكثير فسوف لن أعطي أيضاً، لأني ما تعلمت العطاء، ما طهرت نفسي؛ نفسية متحكمة، أهواء وشهوات، حب المال، أشربت بها حب المال.

 

ولذلك تأتي تقول لإنسان مثلاً أدفع الحق الشرعي الخمس مثلاً لا يعطي، مع الرغم مبلغه قليل؛ لأنه ليس متعلماً، يصلي ويصوم وكل شيء.

 

لهذا لابد للشخص أن يتعلم العطاء، يعطي الفقير، يعطي المشاريع الدينية وما شابه.

 

إذن الخطوة ما بعد عاشوراء، قيم ما بعد عاشوراء: هي تطهير النفس من خلال العطاء المالي وإن كان العطاء الشامل، لكن أن نتعلم على العطاء المالي، كلاً بقدره؛ أحد يقول هذه عشرة ريال مشاركة في المشروع، آخر يقول مائة، وآخر يقول خمسمائة، وآخر ألف، وشخص يقول عشرة آلاف وكلاً بقدره، كل شخص على حسب قدرته لكن يعطي: هذا ريالاً يعطي هذا أكثر، فمهم أن يتعود بين فترة وأخرى أن يعطي مالاً.

 

لذلك في القرآن دائماً وأبداً يؤكد بأن {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} الأنفال: 72، وتارة {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} التوبة: 111، وتارة {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} التوبة: 20، مرة يقدم المال ومرة يقدم النفس.

 

ولذلك الآية تبين في صلاة الجمعة كيف شح النفس: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا} تجارة ومال {وَتَرَكُوكَ قَائِماً} لاحظوا التعلق بالمال يجعله يترك القيم {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ} وليس فقط لهو، إنما ذكر الله {وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} الجمعة: 11، {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} النور: 37، هذه الروح متى يصل إليها؟

 

حينما يتعلمون على العطاء هنا العطاء نقطة ومركزية أساسية وليست نقطة هينة، وليست نقطة سهلة أيضاً؛ عطاء المال صعب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 


عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
يوم 02 من رمضان
صوتيات
أحكام الحج (5) تشغيل أحكام الحج (5)
بحوث العقل: (135) تشغيل بحوث العقل: (135)
الشهيد ومعادلة التغيير تشغيل الشهيد ومعادلة التغيير
التغيير النوعي في رمضان تشغيل التغيير النوعي في رمضان
عوامل الضعف والقوة في الأمة تشغيل عوامل الضعف والقوة في الأمة
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 21
زوار الموقع 8420530