شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / الندوات الرسالية
(14/ز): أخلاق المسيرة الحسينية
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر | 2013-11-08| Hits [11867]


 

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعداءهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران: 159.

 

وقال سبحانه وتعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4.

 

وقال سبحانه وتعالى {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199.

 

وقال سبحانه وتعالى {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران: 134، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

وجاء في زيارة الإمام الحسين الزيارة المعروفة والمشهورة زيارة وارث: «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله» إلى أن نقول «السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله».

 

الإمام الحسين ورث الأنبياء رسالةً ومنهجاً، فكراً وسلوكاً، قيماً وأخلاقاً؛ الآية التي تقول {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4، هذا الخلق ورثه الحسين من جده رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ} آل عمران: 159، هذه الرحمة التي كانت عند رسول الله {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة: 128، ورثها الحسين سلام الله عليه، وتجسدت تلك الأخلاق في ثورته ونهضته وصراعه مع أعداءه، وفي مثل تلك اللحظات تبرز أهمية الأخلاق.

 

قد يكون الإنسان في وضعه الطبيعي يتعامل بخلق حسن، لكن في وضع الاستنفار بل في وضع الصراع مع الأعداء قليل مَنْ يتشبث بالأخلاق؛ الأنبياء، والأوصياء، ومن أنتهج منهجهم بحذافيره؛ أولئك الذين يلتزمون بالأخلاقيات.

 

الحرب هي عبارة عن حياة أو موت، لذلك يستخدم الإنسان في الحروب كل ما يمتلك من قدرات، وإمكانات، وأسلحة للانقضاض على عدوه والقضاء عليه، ولا تأخذه شفقة، ولا رحمة، ولا أخلاق، ولا دين، ولا قيم؛ وهذا ما نلاحظه في التاريخ، أو في الواقع المعاصر.

 

أقرؤوا تاريخ جميع الحروب في الزمن الغابر إلى يومنا هذا: لن تجدوا أحداً ألتزم بالأخلاق إلا الأنبياء، والأوصياء، ومن أنتهج منهجهم بحذافيره، حتى المقربين من الأنبياء والأوصياء يتجاوزون حدودهم، في أخلاقياتهم، في أثناء الحرب؛ قلة نادرة التي تتمسك بالأخلاقيات.

 

الإنسان كتلة من العواطف، كتلة من الانفعالات، ففي مثل الحروب يفقد الإنسان سيطرته على نفسه؛ ولذلك يتجاوز الأخلاقيات يَقتل، يَذبح، يُشنَّع، يُمثِّل؛ وهذا ما حدث للحسين سلام الله عليه كيف تعامل أعداءه معه؟ وكيف تعامل هو مع أعداءه؟

 

فرق واضح للعيان؛ الحسين منذ اللحظة الأولى حينما وصل جيش ابن زياد بقيادة الحر، منذ اللحظة الأولى أعطاهم الماء وسقاهم وأرشف خيولهم وما شابه؛ أرشف خيولهم مع علمه بحاجته إلى الماء.

 

فالإمام الحسين كان يعلم أنه سوف يحتاج إلى تلك القطرات من الماء، ولكن مع ذلك لم يكتفي بإرواء ذلك القوم الذين جاؤوا لقتله، جعجعوا به؛ لم يكتفي بإروائهم وإنما رشّف خيولهم أيضاً، لكي يُعلمهم بل يُعلِّم البشرية جمعاء درساً في الأخلاق لا ينسَ أبداً، ويبقى هو الدرس والأساس والمنهج الذي يجب أن يُتبع في كل الصراعات والحروب.

 

وهكذا كان منهج مسلم بن عقيل قبل ذلك في تعامله في الكوفة: لم يغدر، لم يخدع، لم، ولم، وما شابه؛ ألتزم الأخلاق، وهذه هي أخلاق الأنبياء، هذه هي أخلاق الرسول، وأخلاق علي، وأخلاق الحسن سلام الله عليهم أجمعين؛ هكذا كانوا يتعاملون مع الناس، يعفون عمن ظلمهم، كان العفو سجيتهم «حكمنا وكان العفو منا سجية» طبيعة مترسخة، وراسخة في سلوك الحسين سلام الله عليه، وأهل بيته، والرسول قبل ذلك.

 

الرسول هو المعلم لهم جميعاً، ولكن في المقابل الطرف الآخر «ولما حكمتم سال في الدم أبطحوا» فارق! بين حكم هذا وحكم ذاك، حكم العفو وحكم إسالة الدماء، حكم مَنْ يُرشف الخيول وحكم مَنْ يمنع الماء عن الرضيع، فضلاً عن سيد الشهداء وهو الأولى بشرب الماء من الجميع؛ هذه أخلاقيات.

 

أخلاقيات حرب سلكها الحسين لكي تكون نموذجاً لنا: في مسيرتنا، في علاقاتنا، في تفكيرنا، في جميع المجالات؛ إذا كان أعقد المجالات هو الحرب لابد أن يرتكز على الأخلاق، فبطريق أولى أن تكون جميع المجالات ركيزتها الأخلاق.

 

التعاطي السياسي من خلال: الوفاء بالوعد والعهود، وعدم الخيانة، وعدم النفاق، وعدم الكذب؛ لابد أن تكون الركيزة، السياسة هي الوفاء، والثقة المتبادلة، المتكئة على الوفاء بالعهود والعقود؛ حينما يتخذ الإنسان عهداً على نفسه.

 

وهكذا بقية المجالات في الاقتصاد وما شابه، وما مشكلة البشرية في هذا اليوم إلا ابتعادهم عن الأخلاق في كل المجالات، يعني ما هو سبب الأزمات الاقتصادية؟

 

هو فقد روح الأخلاق، ما هو سبب المشاكل السياسية؟

 

هو انعدام روح الأخلاق: نظرية ميكافيلي في السياسة، ونظرية رأس المال في الاقتصاد، النظرية النفعية في الاقتصاد، وهكذا في بقية المجالات.

 

يعني حينما يأتي ميكافيلي ويؤسس نظرية في السياسة، يطبقها جميع الحكام تتكئ على أنه لا أخلاق في السياسة: تقتل، تذبح، تغدر، تفجر؛ المهم أن تحكم كيفما كان، هذه نظرية ميكافيلي تُدرس في الجامعات، ويدرسها الحكام في جميع العالم؛ فماذا ترجو من سياسة لا أخلاق لها، تتناقض والأخلاق؛ هل ترجو منها العدالة؟ هل ترجو منها القيم؟

 

طبيعي لا، ما هو سبب مشاكل الاقتصاد؟

 

الاستغلال، الاحتكار، الثراء على حساب الآخرين؛ الإنسان حصته من الناس اثنين بالمائة يملكون ثمانين بالمائة من موارد العالم! اثنين بالمائة من العالم يملكون ثمانين بالمائة من موارد العالم عن طريق: الاستغلال، والاحتكار، والكذب، والقمار، والنفاق، والنهب، وما شابه.

 

يأتي يُكون له متجراً أو مؤسسةً تدر عليه الملايين، لكن على حساب مجموعة من العمال لا تكفيهم، لا يقتاتون منه للقمة عيشهم؛ هذه عقلية عنده مؤسسة اقتصادية كبيرة تدر عليه الملايين، لكن التفكير كيف تدر الملايين عليك؟ لا يفكر كيف يعيش الناس؟

 

أنتم ألا تلاحظون في البنوك بين فترة وأخرى مجموعة من الموظفين يفصلوهم، فليذهبوا إلى نار جهنم! هذا المفصول لا يفكر هذا الإنسان القائم في البنك، أو ما شابه مؤسسات اقتصادية أخرى؛ لا يفكر.

 

المهم يكسب مالاً أكثر، ملايين تدخل عليه مِنْ خلال البنوك، وهؤلاء الموظفين الذين كانوا في خدمته يذهبون إلى قاع البحر! لا يوجد أخلاق، أخلاقيات معدومة؛ هذا اقتصاد: أزمات اقتصادية فقر مدقع.

 

هذا يفكر كيف يملك أكبر قدر ممكن من المال، من الأراضي من المؤسسات؛ الشعب الأمريكي يجب أن يكون مرفهاً حتى لو على جماجم البشر!

 

اقتصاد، تفكير اقتصادي؛ هذا لابد يكون مرفهاً اقتصادياً، هل بالطريق المشروع ليس مهم! أخلاق ليست موجودة.

 

ولهذا حينما يأتي تشريع إسلامي يأتي يُشرع مجموعة من القوانين: يُحرم الاحتكار، والاستغلال، وما شابه؛ ركيزة الاقتصاد هي الأخلاق، ركيزة الاقتصاد؛ ليس عليك من القوانين كلها، كل القوانين لا تنفع إن لم يكن هناك أخلاق.

 

ولهذا أمريكا هي دولة رأس المال، ولكن الفقر مدقع في وسط أمريكا وفي داخل أمريكا؛ في أمريكا التي تبحث عن الرفاه على حساب الشعوب العالم أجمع، في وسطها، في عمقها، في أحشائها يعشعش الفقر؛ ولذلك تعشعش الجريمة، لأن أيضاً هناك استغلال مجموعة حفنة تحتكر المال، تحتكر الاقتصاد من أجل أن تُثرى هي؛ لا يوجد -غيرها في- مجال اقتصادي.

 

وهكذا في مجال الاجتماع: هو يتسلى من أجل أن يعيش في حالة تسلية فليكن على حساب الآخرين، تُهتك الأعراض لكي يتسلى! وما شابه.

 

في القضايا الاجتماعية واضحة كيف يلعب ببنات البشرية، ببنات حواء، ببنات آدم؟

 

هؤلاء ضحايا؛ انعدام الأخلاق فانعدمت الأخلاق فيهم، هذا ما نشاهده في التلفاز مِنْ مغنيات، مِنْ راقصات، مِنْ ممثلات يعيشون الأمرَّين! مَنْ يقرأ قصص أولئك يرى الفضائح الأخلاقية من أجل ماذا؟

 

من أجل متعة ذاك الحاكم، ذاك الثري، ذاك الوجيه، ذاك الإنسان؛ يتمتع على حساب أولئك.

 

وهكذا في علاقات المجتمع مع بعضه البعض، لا يفكر إلا في ذاته حتى لو كان على حساب الآخرين؛ فالصدق ملغي، والوفاء ملغي، فالكذب حاكم، والغدر حاكم، وما شابه.

 

هذه أخلاقيات الفسق والفجور، في مثل تلك حالة البشرية التي تنعدم فيها الأخلاق، وتتحول الحياة إلى حياة غاب! القوي يأكل الضعيف، حياة غاب؛ صراع مِنْ أجل البقاء، الكل ينهب؛ يأكل، يعتدي، لكي يبقى، لكي يعيش.

 

لابد من إعادة النظر في أخلاقيات هذه الأمة، الأخلاقيات التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بعثت لأتمم» أو «لأتم مكارم الأخلاق» طبعاً أصل المكارم هو التوحيد، لكن السلوكيات أيضاً منها.

 

ولهذا الإمام زين العابدين عنده دعاء كامل معروف بـ"مكارم الأخلاق" تعلمه من أبيه الحسين سلام الله عليه: "الصحيفة السجادية" كلها هذه مروية عن الإمام الحسين سلام الله عليه، عن الحسن، عن علي، عن رسول الله؛ فالحسين هو وارثها، وورثها لابنه، وأبناءه من بعده؛ هذه الأخلاقيات مكارم الأخلاق.

 

لهذا المسيرة الحسينية أسست على أساس الأخلاق، انطلقت من أجل الأخلاق؛ لكي الإنسان الضعيف يأمن، وأخلاق تردع: أخلاق اجتماعية، أخلاق اقتصادية، أخلاق سياسية، أخلاق عسكرية؛ حرب حتى مع أعداءه، خطاب تلو خطاب؛ لم يبدأهم حرباً، لم يبدأ.

 

كان بإمكانه أن يجعجع بجيش الحر ويفنيه عن بكرة أبيه، وكل قوة تأتيه يفنيها قبل اجتماعهم، ولكنه لم يبدأهم بقتال؛ لأن المعيار ليس النصر الظاهري.

 

المعيار هو النصر الحقيقي، وهذا كان منهج الإمام علي سلام الله عليه؛ حينما كان هناك العهد أو المعاهدة بينه وبين معاوية لم يقبل أن ينقضها، وكان بإمكانه أن ينقضها ويفني جيش معاوية؛ حالة انهيار في جيش معاوية، لكن حينما وقّع على المعاهدة لم يقبل إلا الالتزام بها؛ أخلاقيات حرب.

 

هذه أخلاقيات تُؤسس، ليست مسألة ينتصر؛ وهكذا الإمام الحسن سلام الله عليه، على عكس معاوية يقول «كل ما بيني وبين الحسن تحت قدمي هذه» لاحظوا الأخلاقيات أين؟

 

أخلاقيات الأمير، أخلاقيات الحسن، أخلاقيات الرسول، أخلاقيات الحسين؛ وأخلاقيات بني أمية، وأخلاقيات من سبقهم من الرؤوس والزعماء في الجاهلية.

 

فكانت المسيرة الحسينية توقض الناس إلى أخلاقيات الإسلام، أن هذا الجانب الطرف الآخر لا يملك الأخلاق، كانت هناك إرادة لتبيين أن الأخلاقيات معدومة عند الطرف الآخر، وإذا انعدمت الأخلاق انهار المجتمع.

 

ولهذا الإمام الحسين يقول إذا أنتم ما نصرتموني فإن هؤلاء الظلمة لا يجعلونكم في حال سبيلكم، إذا ما نصرتموني فانتبهوا، هؤلاء يأتوكم وبعدها تعرفون، وكان ما كان: هتكت المدينة، وضربت الكعبة، لا يوجد أخلاقيات!

 

لهذا الإمام الحسين أراد من مسيرته أن يركز عقيدة الأخلاق في مسيرة البشرية، ولهذا الحر ينتقل إلى صف الحسين، ولهذا غيره ينتقل إلى صف الحسين.

 

نقرأ أيضاً أصحاب الحسين: الوفاء بينهم أخلاقيات، كلٌ يسبق صاحبه للشهادة، لا يقول غيري فليموت وأنا أبقى؛ يوجد فارق! في الحروب يقول: دع غيري يذهب وأنا أبقى! يقدم غيره قرابين وضحايا وهو يبقى!

 

الإمام الحسين لم يقدم غيره، قال لهم: هؤلاء الجماعة لا يريدوني إلا أنا «هذا الليل فاتخذوه جملاً» لم يخدع جماعته، ما غرر فيهم، لم يقل لهم تعالوا أعطيكم الشمس في يد والقمر في يد، وحكم وسلطة؛ قال: يا جماعة مَنْ يبقى معي مصيرنا القتل، أحد يريد يبقى؟

 

هذه أخلاقيات، لا يَخدع، لا يُغرر بجماعته، الذي يريد هذا طريقه: قتل فيها، وضوح الهدف ووضوح النتيجة تريدون تفضلوا، ولهذا «الليل فاتخذوه جملاً» لهذا يوجد كم شخص ذهبوا، كانوا يفكرون في زعامة، وسلطة ذهبوا.

 

بقى الجمع الآخر وفياً، بقوا أوفياء؛ لم يُغرهم السلطان، لم يُغرهم المال، ولم يُرهبهم السيف؛ بقوا أوفياء، والوفاء من الأخلاق، ويتمنون يقتلون ثم يقتلون سبعون مرة -والسبعون للكثرة- في سبيل الحسين، في سبيل الدفاع عن قيم السماء؛ هذه ليست أخلاقيات؟

 

هذه أخلاقيات التي تأسست، ليس جيشاً كل شخص يُفكر ينقض، أنت ألا تسمع أصدقاء المسيرة ينقضون على بعضهم البعض، انقلاب تلو انقلاب؛ جماعة يقومون بانقلاب يجعله معه، بعدها ترى هذا يقوم بانقلاب على الآخر! ومن ثم يُصفي الجيش بعضهم بعضاً! والثوار يصفون بعضهم بعضاً! وما شابه، أليس هذا؟

 

بل قبل الانتصار يُصفون بعضهم بعضاً، ألا تسمع في ثورات وما شابه الجماعة قائمين يتناحرون، يصفون بعضهم بعضاً؛ بعدهم لم يصلوا للحكم، لاحظوا هؤلاء الكل يريد أن يبقى، ويصفي الطرف الآخر.

 

أما أصحاب الحسين لا، الكل يريد أن يسبق إلى الشهادة؛ يقدم نفسه من أجل أن يبقى غيره، وإلى آخر لحظة من لحظات حياته يوصي بنصرة الحسين، لم يرجع ولا ندم وما شابه.

 

وهكذا الإمام الحسين لم يقل: تعالوا أصحابي -بل- قال: أولاً أهل بيتي، كان هناك الأصحاب يقولون: نحن أولاً؛ والإمام الحسين يقول أهل البيت أولاً، وأهل البيت يقولون: نحن أولاً؛ هذه أخلاقيات.

 

القضية ليست قضية تعال ونقدم جماعة ضحايا، وبالتالي نبقى للحسين وأهل بيته يحكمون؛ وإن كان يستحقون ذلك أن نكون نحن ومن معنا والأصحاب أن يكونوا ضحايا لبقاء الحسين وأهل بيته.

 

ولكن لم يفعل ذلك وإن كانوا يستحقون، ولا خلاف فيه على الأخلاق؛ ولكن يريد أن يعلمنا درساً، أبناءه إخوانه يُقدمهم واحداً تلو الآخر، واحداً تلو الآخر يقدمهم، ولا يفرق بين أحد في جيشه، لا يوجد تمييز، هذه أخلاقيات.

 

ذاك العبد يختلط دمه بدم الأكبر لا فرق، لا يُفرق، لا يُميز، ليست الأمور قائمة على التمييز: جماعتي، أقربائي، أصحابي، عشيرتي هم لهم الحظوة، والآخرين عليهم الكسوة!

 

لا، الكل سواء؛ حتى الرايات موزعة، قيادة أيضاً موزعة، الجبهات موزعة، كل شخص على حسب موقعه؛ كما العباس يحمل راية، حبيب يحمل راية، وزهير يحمل راية، وهكذا.

 

وهكذا لم يقدم نساء الآخرين وحجب نساءه، نساءه أيضاً يذهبون سبايا؛ بل أكثر مَنْ تحمل العذاب والعناء والمظلومية هم أهل البيت سلام الله عليهم، وهو يعلم ذلك؛ نساءه وأخواته وبناته وما شابه، هذه أخلاقيات.

 

إذن المسيرة الحسينية جاءت من أجل توقض الضمير الميت، كان هناك ضمير ميت في الأمة، يفتقد الأخلاق شيئاً فشيئاً؛ بل يفتقرها، وبدأت الجاهلية تحكم والأخلاق تنعدم: الروح الأنانية، القتل، البطش، الثراء على حساب الآخرين، العدالة تفقد وما شابه.

 

الإمام الحسين جاء من أجل وخز هذا الضمير، ونجح بأخلاقياته، ونجحت الثورة بأخلاقيات الحسين، بهذه الأخلاق نجحت؛ ولذلك لابد أيضاً نحن أن نقتبس تلك الأخلاقيات، لا نغدر مع من يعادينا، لابد أن نعفو؛ الإمام الحسين عفا، وعلم، وربى أهل بيته على العفو، هل يوجد أعظم من قتلة الحسين بالنسبة لأهل البيت؟

 

يأتون للإمام زين العابدين، يقول: إذا يزيد يريد يتوب له توبة، يتمكن، الله يقبل توبته، ليس مغلق الباب؛ عدوه اللدود يعلمه طريق التوبة، يهديه إلى الرشد؛ لكن لا فائدة {لَعَلَّهُ} ولكن لا فائدة مثل فرعون {لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} عبس: 3، لكن لا يوجد فائدة -بل لإلقاء- الحجة، مع ذلك يقول فقط ركعتا الغفيلة هذه تكفي لقبول التوبة؛ لكنه لا يوفق لها.

 

هكذا الإمام زين العابدين سلام الله عليه حينما تنقلب الأمور على بني أمية، على من شارك في قتل الحسين وجعجع بالحسين؛ يُحتاج إلى ملجأ، يُحتاج إلى مكان آمن يحميه من الانتقام، مَنْ كان الحامي؟

 

زين العابدين، الذي -لاحظوا حالة صعبة- رأى مصارع أهله، إخوانه، أباه، أبناء عمومته، أقرباه، أنصاره؛ رأى مصارعهم أمام عينيه، ورأى العنف والقسوة، وكل المصائب، عاشها واحدة تلو الأخرى؛ لكن أخذ أخلاقيات أبيه، لهذا هو الحامي لهذا الإنسان، هو الذي يحميه حينما لا يوجد حامي له لمَنْ شارك في قتل الحسين!

 

ليست قضية هينة، مَنْ يقدر يتحملها نتمكن منها؛ نحن قليلاً تكون -بيننا- خلافات عادية لا نعفو، قضايا عادية ليست قتل! لا نأتي نقول حق قتل؛ لا، أقل من القتل، من تكون عنده حالة عفو؟

 

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} آل عمران: 134، هذه في الحسين سلام الله عليه أيضاً كما هو الحسن، كما هم أهل البيت؛ كثير تتكرر هذه القصة وبأشكال مختلفة.

 

حينما يسكب الماء على الحسن أو الحسين وما شابه من الخادم أو الخادمة، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} آل عمران: 134، بدل أن تنزل العقوبة يذهب أو تذهب حرةً أو حراً لوجه الله؛ العفو يعفو، يقول: عفوت {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران: 134، يقول: أنت حر لوجه الله، هل أعظم من هذا؟

 

أنت ابنك يسكب عليك الماء تقوم تضربه، ابنكَ الصغير أبنتكِ طفلة صغيرة، بالخطأ تسكب الماء تمسكها وتضربها! فما بالك مع الآخرين، لاحظوا الأخلاقيات لكي نعرف عظمة الأخلاق.

 

تارة يرى أحداً خارجاً يضرره وغير قادر يعفو هذا لا يسمى عفواً، شخص يخطئ عليَّ خارجاً لكن أنا لا أقدر آخذ حقي منه، أقول له: أذهب، هذا لا يسمى عفواً؛ هذا يسمى عجز.

 

العفو مع القدرة: -حينما- أتمكن من أخذ حقي؛ ولكن مع ذلك أعفو، الدليل على ذلك حينما يكون في البيت من ابنك لا تعفو، أو مِمَّن هو أقل قدرة منك، أضعف منك لا تعفو.

 

أما الحسين وأصحابه وأهل بيته هذه كانت مسيرتهم ومنهجهم، لهذا كانت الأخلاق هي الركيزة: بدءاً وهذه مسألة رئيسية، بدءاً من الماء؛ وقضية الماء قضية رئيسية أنتم ترون حروب بين العالم كلها لأجل الماء.

 

قضية الإمام علي سلام الله عليه مع جماعة من جماعة معاوية، حينما كانت جماعة معاوية في طرف الماء منعوا جماعة الأمير (عليه السلام) من الاستفادة من الماء، وحينما الأمير (عليه السلام) استولى على الماء قال: أعملوا لهم منفذاً يدخلون ويشربون منه؛ لاحظوا الأخلاقيات، حرب وتعرفون الماء له دور كبير في الحروب في السابق.

 

لأن في رمضاء صحراء، في الهجير، والحركة والشمس الحارقة الإنسان يعطش يضعف ينهار؛ ولهذا أصحاب الحسين بسبب العطش انهيار ضعف، لكن مع ذلك لم يتركوا الأخلاقيات.

 

العباس سلام الله عليه يذهب يصل إلى الماء، لكن يمتنع عن شرب الماء؛ أخلاقيات يقول: لابد الحسين يشرب أولاً، الحسين أولى؛ وهكذا نلاحظ القصص المتناثرة هنا وهناك من أجل تركيز أصل الأخلاق في جميع المجالات.

 

لذا نحن مطالبون أن تكون الأخلاقيات هي أساس تحركانا وسلوكياتنا: في البيت، في المدرسة، في العمل، في الحارة، في القرية، في المدينة، في المؤسسات؛ في الأوضاع الطبيعية، في الأوضاع الشاذة؛ في الحروب، في السلم؛ في الاقتصاد، السياسة، الاجتماع؛ مع الأصدقاء، ومع الأعداء، ليس أمسكه وأنتقم! ولهذا الأخلاقيات.

 

هذه أخلاقيات الشيعة، أخلاقيات أتباع أهل البيت؛ أنا آتي من باب مثال: أنتم سمعتم العام الماضي حينما تمكن حزب الله في جنوب لبنان من دحر الجيش الإسرائيلي وأندحر، وكان هناك العملاء اللبنانيون الذين ساعدوا الجيش الإسرائيلي على القتل والهتك والتنكيل؛ ماذا كانت أخلاقيات أولئك المجاهدين؟

 

كانت مستمدة مِن أخلاق الحسين: لم ينتقموا، بل كان الكل يتوقع الانتقام؛ وهذه طبيعة البشرية في الحروب، انتقاء ما بعد انتقام؛ يعني أمريكا اليوم -من العراقيين- الذين رفعوا الرايات البيض في العراق؛ أنهزم أمام أمريكا، ماذا فعلت أمريكا؟

 

دفنت الناس أحياء! رفعوا الرايات البيضاء استسلاماً! أخذوهم أسارى! لم يريدونهم؛ حفروا لهم حفراً وبالمجاميع طمروا الحفر عليهم وهم أحياء! هذه أخلاقيات حرب وتلك أخلاقيات؛ لاحظوا امتداد الحسين وامتداد الفكر الجاهلي!

 

حتى في أثناء الحرب كانوا يدمرون الاقتصاد، يدمرون، يعيثون، ليس لهم حاجة لتدمير هذه الممتلكة! كلا، يدمرونها لكي يعقدوا صفقات تجارية، لاحظوا الأخلاقيات السلبية، انعدام الأخلاق.

 

في أيام الحرب ما بين العراق وأمريكا، وفي الكويت يأتون يقومون بعقد صفقات في أثناء الحرب، يأتي رئيس الوزراء البريطاني يعقد صفقة على أساس بناء المحطات الكهرباء في الكويت في المستقبل بعد انتهاء الحرب، يقولون له: المحطة موجودة لم تضرب! قال: غداً نضربها!

 

يدمروها لكي يبنونها غداً هم! دمار اقتصاد، وتدمير للثروات أليس {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} البقرة: 205، {لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} الأعراف: 127، {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} المائدة: 64، هذا جانب وهذه خلقيات.

 

نحن دعونا نقرأ، وتابعوا أخبار الحروب، الأخبار في كل العالم، والحروب في كل العالم موجودة؛ إلى يومك هذا الكيماوي أضراره، كل يوم تسمع فلان مات بسبب الكيميائي! أليس هذا في مجتمعاتنا؟

 

ونحن لم نأخذ شيئاً، لكن غيرنا أعظم، كيف صدام في حلبجة! كيف يغزون مع الجيش أساساً: كل يوم نرى شخص يتوفى! معدل يومياً واحد بصورة عامة متوفى بسبب الكيماوي!

 

قتل الناس، تلويث الجو بأي طريق كانت؛ تدمير الاقتصاد، أليست هذه الحروب وهذا الذي يقومون به؟

 

لكن التشريع الإسلامي يقول: لا، يقول الماء لا يُلوث، الأطفال لا يُموتوا، النساء لا يُهيجوا، الأشجار لا تُقطع وما شابه.

 

حرب يقول: أي من هذه الأمور كلها يجب أن يحافظ عليها، حتى الأسير يُعامل بأخلاق حسنة، أتعلمون الإمام الحسين (عليه السلام) في المعركة حصل مجموعة وجماعة -أسارى- قال لهم أذهبوا أرجعوا؛ كان بإمكانه أن يقتل ويدمر.

 

الإمام علي قصة معروفة والقرآن صريح {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} الإنسان: 8، دع المسكين، دع الفقير، دع اليتيم؛ لكن أسير! أسير يعني ماذا؟

 

يعني هذا عدو، وقع في قبضته أنت متمكن منه؛ أنتم ألا تلاحظون في بعض الأوقات يقول لك: فلان مجرم أنظروا ماذا يعملون به؟ ومتهم بالإجرام أصلاً، وليس معلوماً، ويشكون فيه مجرماً، ويشتبهون به، ماذا يعملون به؟

 

يطرحونه أرضاً على وجه، وبكل عنف، وبكل قسوة، وتعذيب في السجون ما شابه؛ هذه تحقيقات وما شابه كلها تعذيب في تعذيب، أين أخلاق؟

 

لا يوجد أخلاق، إنسانية لا توجد وهذه نظرية ميكافيلي؛ هذه نظرية ميكافيلي لا أخلاق وليس موجود بها الأخلاق.

 

وهذه المسيرة الحسينية مفعمة بالأخلاق من ألفها إلى ياءها، لا يوجد خطأً واحداً، ولا تجاوز واحد في الأخلاق؛ فكانت الأخلاق هي الإطار العام.

 

لذلك لابد أن نحافظ إن كنا حسينيون؛ فالحسين يتجسد في أخلاقه قبل شهادته، بل عمق شهادته ومأساة شهادته ما هي إلا امتداد لأخلاقياته؛ كيف تعامل بتلك الأخلاق لكن كيف قوبلت تلك الأخلاق؟

 

ولهذا لابد أن نزرع فينا شجرة الأخلاق إن كنا حسينيون «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم» «كونوا زيناً لنا، ولا تكونوا شيناً علينا» هذه أخلاق أهل البيت، أخلاق جعفر بن محمد، أخلاق الحسين؛ فلابد أن نتشبع بالأخلاق: حب الآخرين، عدم الحقد على الآخرين، العفو عن الآخرين، الصفح عن الآخرين، الرحمة للآخرين.

 

فليكون عندنا هذه الروح: رحمة، عاطفة، لين؛ وليست قسوة؛ شفقة فلتكن عندنا، حب حتى لأعدائنا من أجل هدايتهم.

 

طبعاً تارةً أحد يُطبع على قلبه انتهت تلك حالات نادرة، أما الطابع العام البشرية ليس مطبوعاً على قلبها، ليس كل البشرية؛ حتى الذي لا يدين بدينك فضلاً عمن لا يتمذهب بمذهبك، يوجد قلوب حية عندها استعداد، أو هذه قلوب ميتة عندها استعداد للحياة، فلما أنا أحقد عليها! فلما أنا أقسو عليها! دعوها تتربى.

 

ونحن حري بنا أن نتعلم من ثورة الحسين الأخلاق، وهذه كافية لنشر رسالة الحسين، كافية هذه أخلاقيات الحسينية كافية، تكفي لنشر ثورة الحسين، وكافية لنشر مظلومية الحسين، وكافية لنشر رسالة الحسين، نحن ماذا نريد؟ ألا نريد رسالة الحسين؟ ألا نريد قيم السماء؟

 

هذه قيم السماء في كل شيء: في الاجتماع، في الاقتصاد، في السياسة، في الحروب وما شابه هذا.

 

ونسأل الله أن نوفق لأن نستلهم تلك الروح؛ صعبة طبعاً وليست سهلة، لكن ممكن أن نُلهم ونستلهم تلك الروح الحسينية، في أخلاقياتها؛ الحسين وأهل بيته وأصحابه جسدوا أروع الأمثلة في الأخلاق.

 

لذلك هذا لابد أن يكون النموذج الذي يجب أن يُحتدى، ونسأل الله أن نوفق لذلك؛ إنه سميع الدعاء، وصلى اللهم على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -  14
صوتيات
1) نعم لمودة أهل البيت لا لعدالة الصحابة. 2) الغطرسة تؤدي إلى التهاوي . تشغيل 1) نعم لمودة أهل البيت لا لعدالة الصحابة.  2) الغطرسة تؤدي إلى التهاوي .
تأملات في روايات العقل: (13) تشغيل تأملات في روايات العقل: (13)
كيف تكون مؤمن رسالي (2) تشغيل كيف تكون مؤمن رسالي (2)
محاضرة 27): تأملات في دعاء مكارم الاخلاق تشغيل محاضرة 27): تأملات في دعاء مكارم الاخلاق
الثبات في المسير حتى الممات تشغيل الثبات في المسير حتى الممات
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 22
زوار الموقع 8420535