شعار الموقع
كتابات / محاضرات مدونة / الندوات الرسالية
(24/ز): كيف نعيش عاشوراء؟
آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر | 2013-11-01| Hits [12136]

 

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وأشرف المرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعداءهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} آل عمران: 13.

 

وقال سبحانه وتعالى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} الحشر: 2.

 

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} يوسف: 111، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

 

وقال الإمام الحسين عليه السلام «إني لم أخرج أَشِراً ولا بَطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خَرَجْتُ لطَلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكَر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام» (بحار الأنوار 44: 329؛ العوالم، الإمام الحسين عليه السلام: 179).

 

قال الإمام الحسين عليه السلام: «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان، ولا إلتماساً في فضول الحطام؛ ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك؛ فإنكم إن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيكم؛ وحسبنا الله، وعليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير».

 

الحسين قضية تتجدد في كل زمان وفي كل مكان، قضية الحسين هي ثوابت تتحكم وتوجه كل المتغيرات، قضية الحسين هي سنة إلهية من خلالها نتمكن من التعاطي مع الحاضر.

 

فالحسين هو ماضي وحاضر ومستقبل، قضيته كما أنها كتبت بالتاريخ ودونت باعتبارها قضية وقعت فيما مضى، لكنها أيضاً قضية تتجدد في الحاضر في كل أرض، وفي كل زمان «كل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء» فهي في كل أرض تتكرر، وفي كل زمان تتكرر؛ بل هي قيمة وبصيرة من خلالها نستجلي المستقبل، بل نتحكم ونقرر بما سيكون ويؤول عليه المستقبل.

 

بالحسين نتمكن من تحديد مستقبلنا وتفصيل مستقبلنا، فالحسين ليست قضية ماضية قضية تاريخية انفصلت عن حركة الزمن أبداً، إنها تسير في عمق دم الزمن؛ الزمن خلد قضية الحسين، روحه قضية الحسين «إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي».

 

فبالحسين بقيت قيم الإنسانية، بدم الحسين، بقضية الحسين تبقى القيم كما بقيت وستبقى القيم التي نهض من أجلها الحسين، ستبقى حية شاخصة؛ لأن قضية الحسين قضية لا ترتبط بالتاريخ فقط، وإنما هي أكبر من التاريخ بل أكبر من الزمن والمكان.

 

قضية تجاوز مكانها وتجاوزت زمانها، لكي تعطي رؤية وبصيرة في كل زمان وفي كل مكان؛ الحسين هو الذي يلهم القيادات فضلاً عما دونهم على امتداد التاريخ وعلى امتداد الزمن.

 

الحسين هو الذي يلهم القيادات الرسالية الروح من خلالها يعيشون واقعهم ويتطلعون إلى مستقبل أفضل، لا يترنمون ويتغنون بالمعاصي "كان الفساد، وكان في كل مكان"؛ الحسين يعطي روح ينطلق الإنسان من خلال واقعه فيما يحتاج إليه، وفيما يتطلبه الواقع.

 

قضية الإمام الحسين قضية حاضر بل هي نور المستقبل، التاريخ لا ريب له أبعاد: بُعد ينتهي ويبقى في طياته، نقرأه أو نسمعه أو نجهله؛ كثير هي القضايا التي وقعت في التاريخ لا علم لنا بها: لا نحن، ولا من سبقنا، ولا من معنا، ولا من يأتي بعدنا.

 

قصص في التاريخ كثيرة وقعت ارتبطت بمحيطها الزمني فقط لم تتجاوزه إلى غيره، ارتبطت في محيطها المكاني فقط؛ قضايا كثيرة في التاريخ لم نسمعها ولم نعرفها ولم يدونها التاريخ ولم تنقل لنا.

 

قضايا وقعت ولها امتداد في هذا الزمن، امتداد سلبي أو امتداد إيجابي؛ كما أن بينهما قضايا في التاريخ وقعت تبقى كذكرى بقدرٍ أو بآخر تأثيرها على الزمن ضئيل، لها تأثير سلباً أو إيجاباً ولكنه بقدر ضئيل.

 

قصة وقعت، حدث وقع نقرأه؛ لكن نمر عليه مرور الكرام، لا نتأمله، لا نتدبره، لا نهتم به؛ لأنه حدث بسيط بالنسبة لحركة الزمن.

 

أحداث كثيرة في التاريخ تقرأها، لكن لا تشعر بحاجتك إليها، بل هي في حقيقتها لا تستحق أن يتأملها أو أن يتوقف عندها الإنسان.

 

إذاً هناك قضايا في التاريخ وقعت لا نعرفها، قضايا في التاريخ وقعت نسمعها نقرأها لكنها لا تهمنا، وقضايا في التاريخ وقعت لها امتداد سلباً أو إيجاباً؛ ولكن هذه القضايا التي وقعت في التاريخ ولها امتداد أيضاً تفترق.

 

هنالك قضايا لها امتداد وبُعد من الأبعاد في مجال من المجالات، وقضية لها امتداد شامل مستوعب لكل الحياة وهي قضية الحسين.

 

قضية لها صوت ولها كلمة في كل بُعد: بُعد الاجتماع، بُعد النفس، بُعد الأخلاق، بُعد السياسة، بُعد العسكر، البُعد الثقافي، البُعد العقائدي، في أبعاد متعددة؛ في أي بُعد تريد بإمكانك أن تستلهم الدروس والعبر من قضية الحسين.

 

قضية الحسين متكاملة في دروسها وعبرها، ولذلك قضية الحسين تتجاوز الدرس والعبرة إلى أن تكون منهجاً؛ فقضية الحسين منهج شامل متكامل للحياة، فليست قضية الحسين قضية واقعة في التاريخ وانتهت، أو قضية نقرأها قراءة عابرة، أو قضية لها امتداد في التاريخ نتأملها بقدر أو بآخر.

 

بل هي قضية تحولت إلى منهج حياة: في العقيدة، في السلوك، في الفكر، في العمل؛ هي قضية تتجدد في جميع الأبعاد.

 

ليست دروس وعبر في الأخلاق -بل- هي منهج في الأخلاق، وليست دروس وعبر في السياسة -بل- هي منهج في عمق السياسة، وليست هي منهج في الحركة الاجتماعية، وليست هي دروس وعبر في المنهج في الحياة الاجتماعية بل هي منهج في العمق الاجتماعي.

 

هي التي تخرج القيادات فضلاً عن الطلائع، فضلاً عن تكوين المجتمع والأجيال الرسالية؛ قضية الحسين هي التي صنعت القيادات على امتداد الزمن.

 

بالحسين تتكامل شخصية القائد، وبالحسين يستحق الإنسان أن يكون قائداً حينما يصطبغ بمنهج الحسين، ودون ذلك لا يستحق أن يتسنم سنام القيادة حينما يتخلف عن منهج الحسين.

 

لأن الحسين هو السفينة الأسرع، وهو السفينة الأوسع كما في الروايات: «كلنا سفن النجاة» ولكن تبقى لسفينة الحسين خصوصية «سفينة الحسين أوسع» تستوعب كل الأجيال، كل الفئات؛ باختلاف الأعمار، باختلاف المستويات، باختلاف التوجهات؛ وهي أسرع سفينة لبلوغ أعلى درجات القيم، لبلوغ الأهداف هي السفينة الأسرع.

 

ولذلك الحسين هو وارث كل الرسالات، وارث كل الأنبياء، نحن في الزيارة نقرأ أن الحسين وراث رسالة آدم، ورسالات الأنبياء من أولي العزم؛ ورسالات الأنبياء من أولي العزم هي خلاصة رسالات السماء، والقرآن خلاصة الخلاصة؛ الحسين هو وارث تلك الرسالات، وارث ذلك المنهج.

 

لذلك إذا أردنا أن نعيش واقعنا لابد أن نجذر هذا الواقع وهذا الحاضر بماضي حاضر معنا لكننا نغفله، بالحسين نُجَسِّر الماضي بالحاضر، نُجَسِّر حلقات الزمن ونربطها مع بعضها البعض.

 

والحسين هو قضية الزمن، ستبقى هي القضية التي نعايشها ونعاصرها لأنها قضية كل مظلوم، فما دام هناك ظلم فالقضية الحسينية حاضرة؛ لأنها جاءت من أجل أمن المظلومين لا الظالمين، أمن المظلومين لا الظالمين، لا يستحق الظالم أن يعيش أماناً وأمناً ما لم يأمن المظلوم.

 

كل مَنْ يُشارك في أمن الظالم حينما يكون المظلوم فاقداً لأمنه فإنه شريك للظالم في ظلمه والنار تنتظره؛ هذا هو منطق قضية الحسين خرج من أجل أن يأمن المظلوم «وليأمن المظلومون من عبادك» هذه على امتداد الزمن هناك مظلوم يحتاج إلى مَنْ يقوم ويسعى من أجل أمن المظلوم.

 

وقضية الحسين قضية إصلاح فما دام هناك فساد في أي مجال من المجالات، وفي أي مستوى من المستويات: في المجال السياسي، أو المجال الاجتماعي في المجال الديني أو في المجالات الاقتصادي، في مستوى الأسرة أو على مستوى الدولة، على مستوى النظام الدولي أو على مستوى الحارة الاجتماعية.

 

ما دام الفساد موجوداً فقضية الحسين هي المنهج الذي يصلح ذلك الواقع؛ هذا هو الحسين، ونحن يجب أن نقرأ الحسين من خلال الواقع الذي نعايشه، أي بمعنى أن نقرأ الحسين لكي يجيب على تساؤلاتنا التي نعايشها لكي، نجيب على مشاكلنا كيف نقارعها، كيف نعالجها.

 

إذن لابد أن نقرأ الواقع وننبش التاريخ الحسيني فالإجابة هناك، فكما لا يجوز أن نعيش الواقع دون قضية الحسين لأننا سنتخبط في المسير، كذلك لا يجوز لنا أن نبتر التاريخ عن الحاضر، لا يجوز لنا أن نقرأ الحسين كقضية في الماضي: نسكب الدمعة، ونستشعر الحزن وكفى! لا، هذه جريمة بحق الحسين، وهي شراكة مع مَنْ قتل الحسين، وإن سكبنا الدمعة، وإن استشعرنا الحزن؛ حينما نفصل تلك الدمعة عن فكرة الحاضر، وحينما نفصل العَبرة عن عَبرة الحاضر نضيع قضية الحسين.

 

الحسين لم يستشهد من أجل أن تسكب دمعةً أو نملئ قِراباً بالعَبرة، إنما استشهد من أجل إحياء فِكرة، ومن أجل إعطاء عِبرة، ومن أجل تشييد منهج هكذا الحسين.

 

الحسين خرج من أجل الإصلاح: إصلاح الواقع الماضي، وإصلاح الواقع الحاضر، وإصلاح المستقبل، بل إصلاح الأعداء «يا شيعة أبا سفيان إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم».

 

إذن القضية قضية قيم، والقيم لا يحدها زمان، ولا يؤطرها مكان؛ الحرية قيمة لا تنفصل من حلقات الزمن لا يمكن لأحد أن يفصلها؛ الحرية لا يمكن أن تتجزأ في مناطق الأرض والمكان، الحرية هي شعاع يُغطي وينتشر ويحيط بكل بقعة في الكون، قيمة هذه هي الحرية.

 

الحسين قيم والقيم كما كانت في الماضي تبقى في الحاضر، وهي تبقى ونتطلع إليها في المستقبل؛ لا حياة من دون قيم، لا سعادة من دون قيم، لا قيمة للإنسان من دون قيم.

 

ما يميز الإنسان ويكرم الإنسان عن بقية المخلوقات هو التزامه بالقيم: قيمة العلم، قيمة التعقل، قيمة الحرية، قيمة العبودية لله، قيمة الطاعة لله، قيمة رفض العبودية للعباد، رفض الخنوع، رفض الذلة «هيهات منا الذلة» هذه قيم لا تُتأطر بالزمان، ولا تتقطع في المكان؛ قيم أكبر من الزمن وأكبر من المكان، الحسين هو قيم.

 

لذلك لابد أن نعيش قيم الحسين في واقعنا الحاضر لكي نكون حسينيون كما هي قيم الحسين، حينما نسمع الكلمة لا نبترها «هيهات منا الذلة» لكن نبترها عن الحاضر، ما قيمتها حين بُترت «كونوا أحراراً في دنياكم» ما قيمتها حين تبتر؟ هل «كونوا أحراراً في دنياكم» لشعب العراق، أو بني أمية، أو للماضي؟

 

لا، هي لكل البشرية، لكل المخلوقات الواعية المتعقلة في قضية الحسين؛ لذلك لابد أن نعيش الماضي الحسيني لأن ماضي الحسين هو حاضر ليس كماضٍ آخر، ماضي الحسين يتجدد كما هو القرآن.

 

القرآن لا يبلى مهما طال الزمن، لأنه قيم؛ القرآن يتجدد والحسين هو القرآن الناطق، فيتجدد مع تجدد الحياة مع تجدد الزمن.

 

لذلك لابد أن نعيش قيم الحسين في واقعنا، في هذا الزمن، في هذه الأيام، في هذا العام الذي سوف نستقبله؛ هناك مجموعة من القيم العامة، وهناك من القيم ما نعاصرها ونحتاج إلى تعجيل مسيرتها وحركتها؛ لأنها ببركة الحسين تتجدد.

 

الحسين هو الذي حرر العراق على امتداد ثلاثة عقود من الزمن، لم يستطع الطاغية صدام طاغية العصر أن يطفئ نور الحسين الذي كان يلهب أتباعه وشيعته بالروح الجهادية التي تتجدد؛ مهما قدم الشعب العراقي من شهداء لم يزل ولا زال يملك الاستعداد لإعطاء المزيد، وبهذه الروح لم يتمكن صدام من البقاء.

 

صدام كان أكبر سجين في عصره؛ حاكم مسجون في بلده يخشى الخروج من قصره، بل وهو في قصره لا يأمن الحياة؛ هذه الرجالات التي هزت عرشه وجعلته يعيش الخوف وتسلب منه الأمن هم أتباع الحسين، لذلك لم يجرؤ على الخروج من العراق، كان يخاف من أقرب المقربين إليه.

 

هذا هو الحسين، هذا هو صوت الحسين صوت المظلومين، يبقى يغذي ويلهب الأحرار، يلهب الإنسانية روح الحرية، روح الشهادة، روح الكرامة، روح القيم روح العز؛ هذا هو الحسين.

 

لهذا نحن بحاجة إلى أن نعيش تلك القيم، قيم الحسين «يأمن المظلومون من عبادك» لابد أن نسعى من أجل أمن المظلوم لا الظالم، هذه قيمة لابد أن نقارع كل ما يسلب أمن الناس بأي اسم كان، تلك الممارسات التي تسلب الناس أمنها: بالإرهاب، بالاعتقال، بالتهديد، بالتفجير، بأي شكل من الأشكال؛ كل ما يسلب أمن المظلوم، أمن الإنسان الحر يجب أن نرفضه، يجب أن نقتلعه.

 

لابد أن نظهر معالم الدين، لابد أن نظهر القيم، لابد أن نرفع الصوت عالياً بالتبشير بقيم أهل البيت؛ في الزمن الآن الوقت المعاصر إنَّ كنا في الماضي مجبرون ومكرهون على ممارسة التقية، في هذا الزمن تجاوزنا مراحل التقية بمسافات كبيرة وطويلة؛ نحتاج إلى أن ننطق بجرأة وشجاعة وحكمة ونعبر عن فكر الحسين، وقيم الحسين؛ هذا لابد الحاضر أن يكون.

 

بمعنى آخر لابد أن نقتلع الخوف حتى نظهر معالم الدين، مملكة الخوف تحطمت؛ لابد أن نقتلع ما بقي منها، ما عادت ممالك الخوف تحكم الحياة، لقد سقطت وتهاوت ممالك الخوف.

 

فإذن لابد أن نصطبغ بروح الشجاعة، بروح الإقدام، بروح التضحية لكي نري معالم الدين: قيم السماء، مبادئ أهل البيت، أفكار الرسالة؛ لابد أن نكون شجعان، الماضي السلبي لابد أن نتجاوزه.

 

كنا بالأمس نخاف أن نعبر عن عقيدتنا، نعبر عن رأينا، لا نقدر، مسلوبون؛ سلبنا حريتنا: في العقيدة، في الفكر، في الرأي؛ أما اليوم لابد أن نطرح الرأي، ونبشر بالعقيدة، ونذيع الفكر بكل جرأة وثقة؛ اليوم أيام الحرية، فإذن لابد هذا واقع المعاصر اليوم.

 

قضية الحسين في هذا العصر قضية الإصلاح، نسمع من هنا وهناك طنطنة الإصلاح؛ لكن لابد أن تتحول هذه الكلمات إلى واقع، وهذه الكلمات لا تتحول إلى واقع إلا بإرادة شعبية.

 

الإرادة السياسية تتلون وتحتمي، وتتقدم وتتأخر؛ الإرادة السياسية عادة ما تكون ثعلباً، ولذلك نحتاج إلى إرادة شعبية، إرادة جماهيرية هي التي تفرض الإصلاح، وهي التي تجبر الإرادة السياسية إلى أن تتحول إلى واقع؛ هذه إرادة الجماهير، بإرادة الإنسان، بإرادة الشعوب؛ هذه إرادة.

 

الحسين يعلمنا أن نكون من المريدين: مَنْ يريد الإصلاح «إنما خرجت لطلب الإصلاح» إرادة الإصلاح لابد أن نمارس هذه الإرادة: الإصلاح الجذري الشامل في جميع الأبعاد، عندنا هذه الروح؛ نحن لابد لا ننتظر مَنْ ينام، لن يجد مَنْ يغذيك، مَنْ ينام مَنْ يثبت في نومه يموت جوعاً؛ أما مَنْ يستيقظ ويعمل يجد ثمرة عمله.

 

لذلك نحن بحاجة إلى أن نتحرك، أما أن نبقى مشاهدين فهذه من الأخطاء الكبرى التي نمارسها اليوم: أن نبقى مشاهدين، مشاهدين حول الحلبة، صوت هنا وعمل هناك، ونظرية هنا وفرقعة هناك، ونشاهد ونبقى متفرجين هذه من الخطايا الكبرى التي سوف ندفع ضريبتها وتدفعها الأجيال إن بقينا مشاهدين.

 

إذن لابد أن نكون مِنْ المشاركين في عملية الإصلاح، نشارك بقيم الحسين من موقع القوة، من موقع الثقة؛ لا الإنجرار بالشعارات، وإنما من خلال الواقع الصادق؛ إذن هذه إرادة إصلاح، إذن نعيش الحسين من خلال ممارسة الإصلاح في جميع الأبعاد.

 

الإصلاح السياسي هو قمة الإصلاح، وإصلاح النفس هو أول الإصلاح، وإصلاح الأسرة هي قاعدة ولبنة الإصلاح، وإصلاح المجتمع هو الإصلاح العام، الإصلاح في كل الأبعاد، في كل المستويات؛ لابد أن نمارسه وأن لا تأخذنا في الله لومة لائم، لابد أن نبلغ تلك الرسالة من دون خوف، من دون وجل، من دون تردد.

 

في هذه الأيام لابد أن نسعى للإصلاح، أن يتحقق الإصلاح في الواقع الخارجي، أن يكون للناس كلمة هذا عمق الإنسانية؛ أن يكون لرأي الإنسان احترام، أن يحترم رأي الإنسان، أن ينصت ويستمع إلى رأيه، أن يقبل أو يرفض بالاحترام بناء على الدليل والبرهان؛ لم يعد هناك إمكانية تكميم الأفواه، لذلك لابد أن نرفع صوتنا عالياً، إلى متى نغلق أفواهنا، لقد مضت تلك الحالة.

 

الزمن يتجدد بتجدد الحسين، الحسين هو الذي ألهم غاندي روح التغيير: "تعلم من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر" المظلوم ينتصر كما انتصر الحسين، ما أنتصر يزيد لقد انتصر الحسين؛ لذلك الحسين هو حاضر معنا، ويبقى معنا، نستلهم منه المنهج والقيم.

 

أما يزيد تطارده اللعنات، بل يقول أحمد بن حنبل: "وهل هناك أحد يؤمن بالله واليوم الأخر يحب يزيداً أو يروي عن يزيد" لاحظ ماذا يقول أحمد بن حنبل عن يزيد؟ وماذا تقول البشرية جمعاء عن الحسين؟

 

الحسين هو معلم النصارى، ومعلم البوذيين، ومعلم المسيحيين، ومعلم كل الديانات السماوية؛ بل البشرية فضلاً عن الإسلام، فهو معلم البشرية.

 

لذلك الحسين لابد أن يكون حاضراً بمنهجه: منهج الإصلاح لابد أن نمارس الإصلاح، منهج أمن المظلوم، نسعى لأمن المظلوم، منهج إراءة المعالم، إظهار الفكر، إظهار القيم.

 

منهج العز «هيهات منا الذلة» أن نكون أعزاء كرماء، لا نقبل الذل أبداً ممن كان سواء: كان من الأب، أو من الأم، أو كان من حاكم الدولة، أو ما بينهما؛ الذل مرفوض «هيهات منا الذلة».

 

إذن منهج الحسين في هذا اليوم أن نعمق ونرفع درجة الكرامة والعزة، لابد أن نوسع رقعة الحرية؛ إذن الحسين عز وحرية، وإصلاح وأمن، وإظهار للقيم، هذا هو منهج الحسين في وقتنا المعاصر.

 

ولكن لكي نحقق تلك القيم نحتاج إلى قيمة من قيم الحسين: وهي الصبر على الأذى، يقول الإمام الحسين سلام الله عليه ولاحظوا هذه هي المحور، إذا هذه الروح امتلكناها استطعنا أن نحقق تلك القيم، أما إذا انفصلنا عن تلك القيمة انفصلنا عن تلك القيم؛ يقول الإمام الحسين سلام الله عليه في خطبة يتحدث فيها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه هو أساس القيم وأساس الفرائض وما شابه «وما سلبتم ذلك» تلك المنزلة «بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله» «وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة» إذن كيف نتعاطى؟

 

«ولو» هذا هو بيت القصيد في موردنا: «ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله» لاحظوا ليس من أجل زعامة، ورئاسة وشهرة وعصبية؛ لا «ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر» أنتم تحكمون الكون «عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم، واستسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك: فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم؛ فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمِنْ بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب؛ يتقلبون في الملك بآرائهم» ليس بالشريعة «ويستشعرون الخزي بأهوائهم؛ إقتداءً بالأشرار، وجرأةً على الجبار» إذن لو صبرنا لتمكنا مِنْ تحقيق القيم، لماذا لم نصبر؟

 

خوفنا مِنْ الموت وإعجابنا بالدنيا، إذن لابد أن نتجاوز الخوف من الموت، لإصلاح الذات بالإصلاح العلاقة مع الله؛ ولابد أن نقتلع عن الدنيا من خلال تعظيم الله لكي تُستصغر الدنيا في أعيننا «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} طه: 72، بهذه الكلمة سقط العرش الفرعوني.

 

لا يوجد بعدها فرار مِنْ الموت {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} طه: 72، صبروا على الأذى، حكموا العالم وأصبحوا أفضل العالمين؛ هكذا بني إسرائيل، وهكذا الأمة الإسلامية، وهكذا نحن.

 

إذن الحسين قضية تتجدد: وهي منهج شامل للحياة، هي حرية، هي أمن، هي كرامة، هي عز، هي مسؤولية لتبليغ الرسالة، هي حرية، هي إصلاح جذري وشامل لكل أبعاد الحياة ولكل مستوياتها؛ وذلك يتحقق بالصبر على الأذى، والتحمل: تحمل المسؤولية في ذات الله، «وتحملتم المؤونة في ذات الله»: مِنْ خلال اقتلاع حب الدنيا، والفرار من الموت؛ نقتلعه لكي نعشق الموت في سبيل الله، فبالتالي نعتز ونعز بالقيم.

 

نسأل الله أن يجعلنا ممن يكون حسينياً في حاضره ومستقبله من خلال قراءة الماضي الحسيني؛ إنه سميع الدعاء.

 

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

تقبلوا فائق تحيات

(اللجنة الثقافية لفكر آية الله النمر)

في مشروع (مداد العلماء)

 

عدد التعليقات: 0
 [ X ]
 

 اضف تعليق

الأسم
البريد الالكتروني
مكان الاقامة
عدد حروف كلمة نصر
 
 
 
   

 

 

 
 
 
 
القائمة البريدية
ليصلكم جديد وأخبار الموقع اشترك معنا:

 الاسم الكريم:
 
 البريد الإلكتروني:
 


صورة عشوائية
مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م  54
صوتيات
الرشد بداية التكامل الإنسان تشغيل الرشد بداية التكامل الإنسان
بحوث العقل: (030) تشغيل بحوث العقل: (030)
الجهاد وسلية التقوى لله والقرب منه تشغيل الجهاد وسلية التقوى لله والقرب منه
تأملات في دعاء مكارم الأخلاق: (011) تشغيل تأملات في دعاء مكارم الأخلاق: (011)
1- معنى العيد في التشريع الإسلامي 2- اغتنام الفرص للمطالبة بالحقوق تشغيل 1- معنى العيد في التشريع الإسلامي 2- اغتنام الفرص للمطالبة بالحقوق
آخر الالبومات
  • فعالية وما قتلوه في كربلاء
  • من التصاميم الحسينية (عمامة الشهيد فخرنا)
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (1) -
  • تصاميم كلمات عاشورائية للشهيد النمر (2) -
  • كلمات #آية_الله_النمر في فريضة الحج
  • مراسيم تشييع والد الشيخ النمر
  • كلمات الشخصيات في الشهيد النمر بعد تنفيد جريمة القتل
  • مسيرة النمر في خطر بالقطيف 14 مايو 2015م
  • مسيرة تفديك الأرواح بالعوامية 16 مايو 2015م
احصائيات

المتواجدون الآن: 93
زوار الموقع 8498518